
ندوة فكرية تعيد مساءلة الهوية في الكتاب العربي بالدوحة
في إطار الفعاليات المرافقة لحفل تكريم الفائزين في الدورة الثالثة لجائزة الكتاب العربي، نظّمت الجائزة ندوة فكرية بعنوان “الكتاب العربي والهوية الثقافية”، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين من قطر وعدد من الدول العربية، وبحضور وازن لمثقفين ومهتمين بالشأن الفكري والثقافي.
الندوة تندرج ضمن رؤية الجائزة الهادفة إلى ترسيخ مكانتها كمنصة عالمية
وفي كلمته الافتتاحية، رحّب الدكتور ناجي الشريف، المدير التنفيذي لجائزة الكتاب العربي، بضيوف الدوحة والحضور، مبرزًا أهمية هذه الندوة التي تندرج ضمن رؤية الجائزة الهادفة إلى ترسيخ مكانتها كمنصة عالمية رائدة في تكريم التميز العلمي والفكري، وإبراز الإسهامات المعرفية الأصيلة. وأكد أن الجائزة تسعى إلى الإسهام في إثراء المكتبة العربية عبر تشجيع الأفراد والمؤسسات على تقديم إنتاج علمي رصين في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب دعم دور النشر الجادة والارتقاء بجودة الكتاب العربي شكلًا ومضمونًا وتعزيز حضوره عربيًا ودوليًا. كما أشار إلى أن أشغال الندوة تتزامن مع الإعلان عن فتح باب الترشح للدورة الرابعة من الجائزة.
وتناولت الندوة إشكالية الهوية في الكتاب العربي من زوايا معرفية وتاريخية ونقدية متعددة، مسلطة الضوء على دور الكتاب في بناء الوعي الثقافي، وتمثيل الذات، واستجلاء علاقة الأنا بالآخر عبر مختلف الحقب.
تمثلات الهوية في الخطاب التفسيري
وافتُتحت الجلسة الأولى بمداخلة للدكتور عبد الحميد الحسامي، أستاذ الأدب والنقد الحديث بجامعة الملك خالد، تناول فيها تمثلات الهوية في الخطاب التفسيري، موضحًا أن التفاسير القرآنية لم تكن مجرد شروح للنص، بل أسهمت في تشكيل هويات معرفية وفكرية متميزة، مثل نسق البيان والعرفان والبرهان، وكان لها دور محوري في بناء العقل العربي ورؤيته للعالم.
من جهته، قدّم الأستاذ الدكتور عبد اللطيف عبيد، أستاذ الفكر والأدب التونسي المعاصر، قراءة في تمثلات الهوية في بعض المؤلفات التونسية الحديثة، مبرزًا تنوع المقاربات الهوياتية بين العروبة والإسلام والخصوصية الوطنية، ومؤكدًا أن الهوية التونسية تشكلت بوصفها تاريخًا ممتدًا في الحاضر ومشروعًا ثقافيًا وسياسيًا للمستقبل.
وقدّمت الناقدة العراقية الدكتورة نادية هناوي، أستاذة النقد الأدبي الحديث ونظرية السرد، ورقة علمية ألقتها بالنيابة عنها الدكتورة امتنان الصمادي، تناولت فيها مركزية الهوية في تآليف الرحلة العربية، معتبرة أن هذا الجنس الأدبي حافظ على هويته الثقافية عبر آليات “الأقلمة” لا القطيعة، من خلال تحوير النماذج السابقة والاعتراف بأصولها، مع إبراز الدور المركزي للمؤلف في صون الأصالة والهوية السردية.
الإنسان الفلسطيني فاعل تاريخي لا مجرد ضحية أو موضوع للمعاناة
واختُتمت الجلسة الأولى بمداخلة للدكتور حسن الرميحي، المفكر والباحث في قضايا الفكر العربي المعاصر، حول مفهوم “غزة المستخلف”، قدّم فيها قراءة أخلاقية وهوياتية للقضية الفلسطينية، معتبرًا غزة نموذجًا للاستخلاف والمسؤولية التاريخية، ومؤكدًا أن الإنسان الفلسطيني فاعل تاريخي، لا مجرد ضحية أو موضوع للمعاناة.
أما الجلسة الثانية، فقد استُهلّت بمداخلة للأستاذة الدكتورة نيللي حنا، أستاذة التاريخ الاجتماعي والثقافي والمتخصصة في تاريخ مصر العثمانية، تناولت فيها العلاقة بين اللغة والهوية في مصر خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، مبرزة أن التحولات اللغوية تعكس تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، وأن النصوص المكتوبة بالعربية الوسيطة والعامية تمثل مصدرًا أساسيًا لفهم المجتمع وثقافته، وليست دليلًا على انحطاط لغوي.
إشكالية “الهوية بين الذات وجدلية السقوط” في رحلة ابن بطوطة
وقدّمت الدكتورة فاطمة السويدي، الباحثة في الأدب العربي وأدب الرحلة والأستاذة بجامعة قطر، قراءة في إشكالية “الهوية بين الذات وجدلية السقوط” في رحلة ابن بطوطة، معتبرة أن أدب الرحلة يشكل فضاءً لاختبار الهوية من خلال مواجهة الآخر، وأن السقوط في السرد الرحلي لا يعني انهيار الذات، بل يمثل لحظة وعي بحدودها وتحولاتها.
وفي مداخلة فكرية نقدية، طرح الدكتور الطيب بوعزة، الباحث في الفلسفة المعاصرة وقضايا الهوية والعولمة، تساؤلًا حول معنى الهوية في زمن عولمة الاتصال، معتبرًا أن الهوية لم تعد جوهرًا ثابتًا، بل بناءً تاريخيًا متحركًا، وأن الخطر الحقيقي لا يكمن في العولمة بحد ذاتها، وإنما في الانغلاق الهوياتي ورفض التفاعل.
تعريف الهوية بوصفها الثقافة بمعناها الشامل
واختُتمت الندوة بمداخلة للأستاذ الدكتور عبد الحكيم أجهر، الباحث في الفلسفة والفكر الثقافي المعاصر، حول موضوع “الهوية والكتاب العربي”، انطلق فيها من تعريف الهوية بوصفها الثقافة بمعناها الشامل، مؤكدًا أن الإنسان لا ينفصل عن ثقافته، وأن الكتاب العربي يمثل فضاءً نقديًا لتفكيك وهم الهوية الصلبة وإعادة التفكير في العلاقة بين الخصوصية الثقافية والمشترك الإنساني.
وفي ختام الندوة، شدد المشاركون على أن الهوية في الكتاب العربي ليست معطى جامدًا أو مفهومًا مغلقًا، بل بناء ثقافي تاريخي متحوّل، وأن إعادة قراءة التراث في ضوء الكتابة المعاصرة تظل شرطًا أساسيًا لفهم الذات العربية وتحديد موقعها في عالم سريع التحول.





