
في مساء هادئ، وأمام شاشة حاسوب مضاءة تنعكس أشعتها الباردة على وجه متعب، يجلس سعيد، أستاذ التعليم الإعدادي، محاولا رسم معالم عطلة صيفية تعوضه وعائلته عن موسم دراسي شاق.

بقلم الصحافي والروائي خالد أخازي
الأستاذ يمني النفس باستراحة بسيطة في فضاء يفترض أنه شيد خصيصا لأجله
لم يكن سعيد يبحث عن ترف باذخ أو إقامة في فنادق عالمية من فئة خمس نجوم، بل كان يمني النفس باستراحة بسيطة في فضاء يفترض أنه شيد خصيصا لأجله وبأموال اقتطاعاته، منتجعات زفير التابعة لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين. لكن ما بدأ كحلم صغير وحق مشروع في الاستجمام، انتهى بحسابات ورقية دقيقة وابتسامة ساخرة تخفي وراءها خيبة أمل عميقة.
يقول سعيد وعيناه تتنقلان بين أرقام الفاتورة الافتراضية، فتحت جدول الأسعار على الموقع الرسمي، وبدا كل شيء معقول في البداية، لكن حين بدأت أجمع التفاصيل والرسوم المخفية، اكتشفت أن الأمر يشبه عقد مالي تجاري صارم أكثر منه عرض اجتماعي تضامني.
لغة الأرقام التي لا تجامل
الوثيقة الرسمية المحينة في شتنبر 2023، والتي حصلنا على نسخة منها ونعتمد عليها كمرجع أساسي في هذا التحقيق الصحفي، تقدم تسعيرة تبدو في واجهتها الأولى ملائمة. 220 درهم للغرفة المزدوجة في مدن مثل مراكش والجديدة وإفران، بينما ترتفع التسعيرة في أكادير لتسجل 270 درهم. أما الأجنحة، فقد حدد لها سعر موحد يبلغ 750 درهم في مختلف الوجهات.
وفيما يخص الشقق التي تفضلها الأسر المغربية بطبيعتها الممتدة، تتراوح الأسعار في أكادير بين 300 درهم لصنف إف 1 و 600 درهم لصنف إف 4، مع استقرار أسعار إف 2 وإف 3 في 400 و 500 درهم على التوالي في باقي المجمعات السياحية.
للوهلة الأولى، تبدو هذه الأرقام في متناول فئة الموظفين المتوسطين، لكن الغوص في التفاصيل الدقيقة المرافقة لها يقلب الصورة بشكل جذري، ويكشف عن هوامش مالية تبتلع البعد الاجتماعي للمؤسسة.
ضرائب الإقامة ووجبات الإفطار، كلفة مضاعفة
ضريبة الإقامة تشكل أولى الصدمات التي تواجه المنخرط. في مدينة مراكش مثلا، تصل هذه الضريبة إلى 25.30 درهم عن كل فرد في الليلة الواحدة، وتضاف إلى الفاتورة النهائية بشكل يحاسب الأنفاس داخل الغرفة. فإذا حجزت أسرة مكونة من أربعة أفراد، فإنها تدفع أكثر من مائة درهم يوميا كضرائب فقط. إلى جانب ذلك، تبرز وجبة الفطور التي تم إقصاؤها بذكاء تجاري من السعر الأصلي، لتكلف 50 درهم للكبار و 25 درهم للأطفال.
المؤسسة نفسها، وفي مثال توضيحي رسمي مرفق داخل وثيقتها، تؤكد أن تكلفة إقامة أسرة من أربعة أفراد لمدة ثلاث ليال في شقة إف 3 تصل إلى 1803.60 درهم، وهذا الرقم الصادم لا يشمل الفطور. وبمجرد إضافة وجبة الصباح البديهية في أي فندق، ترتفع الكلفة بشكل صاروخي، لتتحول العطلة المدعمة في لغة الشعارات إلى عبء مالي ثقيل على أرض الواقع يهدد ميزانية الأستاذ.
رشيد، أستاذ في التعليم الابتدائي يعيل أسرة من ثلاثة أطفال، يصف هذه التجربة بمرارة واضحة، الفطور في منتجعات زفير ليس تفصيل ثانوي يمكن الاستغناء عنه، بل هو قرار اقتصادي يومي يحتاج إلى ميزانية خاصة ومستقلة. أسرة صغيرة قد تدفع مئات الدراهم صباح كل يوم فقط لتبدأ نهارها، وهو ما يتنافى كليا مع مبدأ الدعم الاجتماعي الموجه لموظف أنهكته القروض الاستهلاكية وتكاليف المعيشة المرتفعة.
شروط الحجز التعجيزية وضمانة الألف درهم
ولا تقف الإشكالات عند حدود الأسعار وتكاليف الإطعام الباهظة. فشرط الأداء المسبق والكامل عبر الإنترنت، إلى جانب فرض ضمانة مالية مجحفة تصل إلى 1000 درهم عند حجز الشقق، يثير استياء واسع بين صفوف الشغيلة التعليمية.
من الناحية التقنية والإدارية الصرفة، يبرر هذا الإجراء بضرورة الحفاظ على الممتلكات الفندقية وتغطية أي تلف محتمل، لكن في سياق مؤسسة تحمل لواء العمل الاجتماعي وتستهدف مربي الأجيال وصناع القرار التربوي، يقرأ هذا الشرط كإهانة مبطنة.
يضيف سعيد بنبرة منفعلة، نشعر وكأننا مطالبون بإثبات حسن النية وبراءتنا من التخريب وسوء السلوك قبل الاستفادة من حقنا الدستوري والمهني. هل يتوقعون من الأستاذ الذي يقف أمام التلاميذ ليعلمهم القيم، أن يكسر أثاث الفندق ويهرب مناشف الحمام. إن طلب الضمانة يسلب المربي كرامته قبل أن يسلب ماله.
منصة إلكترونية تثير الشكوك وأسطورة الفندق الممتلئ
إلى جانب التكلفة المادية القاسية، تبرز صعوبة الولوج التقني إلى الخدمة كواحدة من أبرز النقاط المثيرة للغضب والجدل بين الأساتذة. فاطمة، أستاذة في التعليم الثانوي التأهيلي، تؤكد أن عملية الحجز تتحول في كل عطلة مدرسية إلى سباق رقمي غير متكافئ ومحبط.
تقول فاطمة بتذمر، بمجرد فتح المنصة الإلكترونية وتفعيل زر الحجز، تختفي الغرف والشقق في ثوان معدودة وكأنها سراب. لا نعرف كيف يحدث ذلك بتلك السرعة الخيالية، ولا لمن تذهب تلك الحجوزات. وتتساءل المتحدثة عن مصير الأساتذة كبار السن الذين لا يتقنون التعامل مع الحجوزات السريعة عبر الإنترنت، ليجدوا أنفسهم مقصيين من حقهم في الاستفادة.
هذه الشهادات المتكررة، وإن ظلت في إطار الانطباعات والتجارب الشخصية، تعكس شعور عام وعميق بعدم تكافؤ الفرص، وتطرح تساؤلات جوهرية حول شفافية نظام الحجز. وتزيد الاتهامات التي تتردد في أوساط الشغيلة بوجود محسوبية وزبونية تمنح الأولوية للمقربين وأصحاب التدخلات، في تعميق الهوة بين المؤسسة ومنخرطيها، حيث يشاع أن شقق زفير الجيدة تمنح لغير أهل التعليم في أوقات الذروة.
سياسة الإلغاء، احتجاز غير مباشر لأموال المنخرطين
أما في حالة حدوث طارئ عائلي أو صحي يضطر المنخرط إلى إلغاء حجزه، فإن إدارة فنادق زفير ترفض بشكل قاطع استرجاع المبلغ المؤدى نقدا، وتكتفي بتعويضه بقسيمة إقامة صالحة لمدة سنة واحدة فقط. هذا الإجراء، وإن كان متعارف عليه في بعض الشركات السياحية ذات التوجه التجاري الصرف، فإنه يثير تحفظات قانونية وأخلاقية كبرى في سياق العمل الاجتماعي التضامني.
يجد العديد من المنخرطين أنفسهم ملزمين بإعادة الاستهلاك الفندقي في وقت قد لا يناسبهم مهنيا أو عائليا، أو يواجهون خطر خسارة أموالهم بشكل نهائي. هذا الوضع يجعل المنخرط يشعر وكأن المؤسسة تحتجز أمواله بقوة قوانين داخلية مجحفة صيغت حصريا على مقاس مصالحها المالية، ضاربة عرض الحائط بظروف الموظف القاهرة.
السياق الاقتصادي والمفارقة الاجتماعية
في خلفية هذا الجدل المتصاعد، تبرز مفارقة أعمق تتعلق بطبيعة الدور الحقيقي الذي تضطلع به مؤسسة محمد السادس تحت رئاسة يوسف البقالي. فبينما تحرص بلاغاتها الرسمية على التأكيد الدائم على تحسين جودة الخدمات وتوسيع العرض السياحي والارتقاء بالظروف الاجتماعية، يجمع عدد كبير من المتتبعين والفاعلين النقابيين على أن المنطق الذي بات يحكم هذه العروض أقرب إلى جشع السوق والمضاربة العقارية منه إلى نبل الدعم الاجتماعي.
وتعزز هذا الطرح النقدي معطيات اقتصادية وطنية كلية لا يمكن لأي مسؤول تجاهلها. فقد أشارت المندوبية السامية للتخطيط في تقاريرها الدورية الأخيرة بوضوح إلى تراجع مخيف في القدرة الشرائية للأسر المغربية بفعل التضخم المستورد والمحلي. وفي نفس السياق، نبه بنك المغرب إلى الضغوط المالية المتزايدة على دخل الموظفين من الطبقة المتوسطة، خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المحروقات. في ظل هذا السياق الاقتصادي الخانق، تبدو أي تسعيرة سياحية تتجاهل هذه التحولات العميقة، عرضة للانتقاد وتحتاج إلى مراجعة شاملة تنتصر للموظف.
خلاصة ونداء مستتر
المفارقة تتجلى بأبشع صورها الساخرة حين نقارن بين واقع الأستاذ داخل الفصل الدراسي، حيث يعاني يوميا من الاكتظاظ وضغط العمل ونقص الوسائل، وبين الفضاءات السياحية الباذخة التي بنيت من أجل راحته النفسية. إن بناء منتجعات راقية بأموال اقتطاعات الشغيلة، ثم حرمان السواد الأعظم منهم من ولوجها بسبب تسعيرة تجارية، يفرغ العمل الاجتماعي من محتواه الإنساني.
هذا التحقيق الصحفي لا يدعي تقديم حلول جاهزة، لكنه يضع معطيات دقيقة وأرقام موثقة أمام الرأي العام. كيف يمكن لمؤسسة اجتماعية أن توازن بين جودة الخدمة الفندقية وبين عدالة الولوج المالي. إلى أن يعاد النظر في سياسة الأسعار والضرائب المعيقة، سيظل كثير من المربين يفتحون جداول أسعار منتجعات زفير، لا ليحجزوا تذاكر الراحة، بل ليقيسوا المسافة الشاسعة بين الوهم والواقع. وفي تلك المسافة، سيتردد صدى زفير طويل وممتد، يجسد حسرة وحساب مؤجل لراحة قد لا تأتي أبدا.





