الرئسيةرأي/ كرونيك

لماذا شيشناق.. أو هل يحتاج الأمازيغ إلى فرعون؟

بقلم: كمال السعيدي

تساءل رفيقي حميد باجو عن سبب لجوء الحركة الأمازيغية إلى استدعاء الفرعون المصري شيشناق للتأسيس لبداية التأريخ الأمازيغي، وليس اعتمادًا على أي شخصية أخرى. 

نساؤل جوهري

هذا تساؤل جوهري، وقد يصعب الجواب عنه بشكل حاسم، لأننا لا نعرف بالضبط الغاية من استدعاء شيشناق كما اختمرت في عقل من أطلقها أول مرة وأقنع بها الحركة الأمازيغية.

عدتُ للبحث عن شيشناق للتأكد من الحقائق التاريخية، ووجدتُ أنه من أصول ليبية من قبيلة المشوش، وهي قبيلة أمازيغية فعلًا من الناحية «العرقية»، لكن وصوله إلى عرش مصر لم يكن نتيجة أي انتصار عسكري، وإنما كان وصولًا عاديًا، لأن الحدود بين الدول لم تكن كما نعرفها اليوم.

كان وصوله إلى العرش طبيعيًا، لأن شيشناق كان ابن الحضارة الفرعونية، وعبد آلهتها، ومارس كل طقوسها.

هناك أمثلة في التاريخ تشبه في بعض الأوجه حالة شيشناق.

مثلًا، نابليون بونابارت كان من أصول توسكانية إيطالية، كبر وترعرع في كورسيكا، ثم أصبح يومًا ما إمبراطورًا لفرنسا.

لا أتصور أن فرنسيًا سيعتبر نابليون غريبًا عنه، وهو الذي كان صانع دولتهم الحديثة والرمز القومي الأكبر، بالنظر إلى إرثه القانوني ومجده العسكري التاريخي.

جينيًا ولغويًا، فإن نابليون هو أصل إيطالي خالص لا غبار عليه، لكن من حيث الحضارة والدور في التاريخ فهو فرنسي.

هناك مثال آخر، وهو إدريس الأول، مؤسس أول دولة مغربية بعد دخول الإسلام. إدريس الأول هو عربي مشرقي جاء إلى المغرب، فاحتضنته قبيلة أمازيغية هي قبيلة أوربة.

لم يروا فيه محتلاً، إنما رأوا شرعية جديدة لتأسيس دولة مستقلة، مستقلة عن الشرق أساسًا.

نابليون كما إدريس الأول هما فقط نماذج للعظمة التاريخية وصناعة الحضارة حين تتجاوز الحسابات الصغيرة للأعراق والقوميات..

لماذا استدعاء شيشناق وليس أي قائد أمازيغي آخر

بالعودة إلى التساؤل الأول حول استدعاء شيشناق وليس أي قائد أمازيغي آخر، ودون الدخول في المغالطات التاريخية التي جعلت منه منتصرًا على رمسيس، وهو الذي لم يعاصره قط، أعتقد أن رواد الحركة الأمازيغية، وخاصة الجزائري عمار نجادي، أرادوا البحث عن رمز في حضارة كبرى ودولة عظيمة لتعزيز الفخر الأمازيغي، وإثبات أن الأمازيغ لم يكونوا مجرد قبائل تتعرض للغزو من حين لآخر، بل صُنّاع حضارة.

أعتقد أنه تم تفضيله على ماسينيسا مثلًا، وهو الذي يجسد رمزية قومية أمازيغية أقوى، لسببين: الأول البحث عن رمزية البعد الإمبراطوري التي تجسدت في صعود قائد أمازيغي إلى عرش مصر، والثاني هو الأسبقية الزمنية لشيشناق.

شيشناق يقول الكثير عن القلق الهوياتي الحديث

في النهاية.. شيشناق لا يقول الكثير عن التاريخ الأمازيغي، لكنه يقول الكثير عن القلق الهوياتي الحديث، ورغبة الحركات في إيجاد «نقطة صفر» رمزية. هل كان كل ذلك ضروريًا؟ في نظري لا، لأن الهوية الأمازيغية، كما نشأت أو تطورت بفعل التلاقح والتلاقي الحضاري، هي أوسع وأكبر من اختزالها في شخص واحد، وهي ضاربة حقًا في عمق التاريخ، ولا تستدعي التزوير في الحقائق التاريخية ولا أسطرة رموزها، لأنها حضارة صنعت نفسها على الأرض قبل أن يختزلها البعض في منتجات الهويات المخبرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى