
عبد القادر الراشدي: ذاكرة تمشي على نغمة “رقصة الأطلس”
ولدت الأسطورة ذات مساء موسيقي هادئ سنة 1948.
كان شاب لم يبلغ بعد عامه التاسع عشر، يجلس إلى إيقاع داخلي يشبه نبض الجبال، ويُنصت لما تقوله الأرض حين تُداس بالقدم وتُصافح بالروح.
من هناك، من عمق الأطلس، خرجت «رقصة الأطلس»؛ معزوفة لم تكن مجرد لحن، بل ذاكرة جماعية تشكلت نغمةً نغمة، وصارت منذ تلك اللحظة علامة فارقة في الوجدان المغربي، تهز السامع كما تهز الريح أشجار الأرز، وتعيده إلى أصلٍ لا يُنسى.
ذلك الشاب كان عبد القادر الراشدي (1929 – 1999)، الذي سيغدو لاحقًا سيد الإيقاعات المغربية بلا منازع، وأستاذها الأكبر، وحارس تنوّعها وغناها. لم تكن «رقصة الأطلس» سوى الإعلان الأول عن مسار استثنائي، مسار موسيقي سيجعل من الإيقاع لغةً، ومن التراث مشروعَ حياة.
وُلد الراشدي بمدينة فاس سنة 1929، وفيها تشبّع بروحها العتيقة وإيقاعاتها الخفية، قبل أن يشد الرحال في سن مبكرة إلى الرباط، حيث ستتبلور تجربته الفنية وتشتد ملامح شخصيته الإبداعية.
رافق الفنان والزجال الكبير أحمد الطيب العلج لسنوات
هناك، رافق الفنان والزجال الكبير أحمد الطيب العلج لسنوات، في ملازمة لم تكن مجرد صداقة، بل مدرسة في الحس الشعبي والذائقة المغربية الأصيلة.
في العاصمة، ساهم عبد القادر الراشدي، رفقة أعلام من قبيل أحمد البيضاوي، صالح الشرقي، سمير عاكف، عبد النبي الجيراري، في تشكيل نواة الفرقة الوطنية، التي ستنضم إليها بعد الاستقلال أسماء وازنة مثل محمد بنعبد السلام، عبد الرحيم السقاط، المعطي بنقاسم، عباس الخياطي.
ومن هذا الفضاء، سيبدأ الراشدي في ترسيخ حضوره كقائد أوركسترالي صارم، وملحن يعرف كيف يصغي للإيقاع قبل أن يكتبه.
لحن أزيد من 300 أغنية
قضى الراحل ما يفوق 24 سنة على رأس الجوق الوطني، وأكثر من 30 سنة رئيسا لجوق التقدم والجوق الجهوي لطنجة، وهو زمن طويل لم يكن تكرارا، بل تراكما خلاقًا.

خلال مسيرته، لحن أزيد من 300 أغنية، وظف فيها جل الإيقاعات المغربية، من الجبل إلى الصحراء، ومن السهول إلى السواحل، فكان بحق موسوعيَّ الإيقاع المغربي وحارس تنوعه.
ساهم في تأسيس فرقة المتنوعات التي ستندمج لاحقا مع الجوق الوطني، ومنها سطع نجم عبد الوهاب الدكالي بأغان خالدة مثل: «يا الغادي في الطوموبيل»، «مولات الخال»، «بلغوه سلامي»، و«أنا مخاصم خليني».
ثم أطل الذي غادر دنيانا مؤخرا، عبد الهادي بلخياط بصوته العميق في «يا حبيب القلب فين»، معلنا عن مرحلة جديدة في الأغنية المغربية.
وفي سياق تنافسي فني حاد، اتفق عبد القادر الراشدي مع أحمد البخاري على تأسيس جوق مكناس الإسماعيلية، كرد فني على الجدل الذي أثاره ألبوم «أنا الرباطي وأنت السلاوي»، فكانت أعمال مثل «يا زهرة جيبي الصينية»، «عويشة جيبي القلة»، و«الصنارة» تعبيرا عن حيوية المشهد وثرائه.
سيخلق جوق طنجة باتفاق بين الراشدي وأحمد البيضاوي
وبعد نجاح التجربة، سيخلق جوق طنجة باتفاق بين الراشدي وأحمد البيضاوي، ليتولى الراشدي رئاسته، ويُثبت مرة أخرى علو كعبه التنظيمي والفني. من هناك، بزغ نجم عبد الواحد التطواني، وخرجت إلى الساحة أغنية الموسم «ماشي عادتك هادي».
ومن موقعه كملحن وقائد للجوق الوطني، كان عبد القادر الراشدي وراء بروز أسماء ستصير لاحقا أيقونات. مع سميرة سعيد، قدم أعمالا لامعة مثل «لحن جميل»، «فايت لي شفتك»، «أنا والمحال»، «يا بشير الحب».

ومع الراحلة الفنانة المبدعة ذات الصوت والبحة المغربية الأصيلة، نعيمة سميح، صاغ لحظات وجدانية خالدة في «على غفلة»، «جاري يا جاري»، «أمري لله».
رحل عبد القادر الراشدي يوم 23 شتنبر 1999، لكن إيقاعه لم يرحل.
ما زالت «رقصة الأطلس» تُعزف في الذاكرة، وما زالت خطواته الإيقاعية تُسمع كلما حاول المغاربة أن يصغوا إلى أنفسهم. كان موسيقارا، نعم، لكنه قبل ذلك كان حارس نبضٍ جماعي، جعل من الإيقاع المغربي وطنا لا يشيخ.







