الرئسيةسياسة

تقرير: المغرب و بطالة متجذرة…سوق شغل يضيق

في قراءة لا تخلو من القتامة، يضع المنتدى الاقتصادي العالمي المغرب أمام مرآة تعكس تناقضاته الاجتماعية والاقتصادية بوضوح جارح، حيث يرسم التقرير الحديث للمؤسسة الدولية ملامح مرحلة تتقاطع فيها أزمات الشغل مع هشاشة الخدمات العمومية وتزايد الضغوط البيئية، في مشهد يهدد أسس العدالة الاجتماعية ويضع صناع القرار أمام اختبار تاريخي.

بطالة متجذّرة… سوق شغل يضيق

يصنّف التقرير البطالة وضعف فرص العمل كأول المخاطر التي تواجه البلاد، في ظل معدلات بطالة تقارب 13% على المستوى الوطني، وتتجاوز 30% في صفوف الشباب الحضري، وفق أرقام رسمية حديثة..

هذه الأرقام لا تعكس فقط نقص الوظائف، بل تعكس اختلالا بنيويا في سوق العمل، حيث يتنامى الشغل الناقص وغير المهيكل، وتتآكل حقوق العمال، وتبقى الأجور شبه جامدة رغم موجات التضخم المتلاحقة.

خدمات عمومية تحت الضغط… وعدالة اجتماعية مؤجلة

من جهته يضع التقرير ضعف الخدمات العمومية، من تعليم وصحة وبنية تحتية وأنظمة تقاعد في المرتبة التانية من المخاطر، فبالرغم من الإصلاحات المتتالية، لا تزال جودة التعليم العمومي دون التطلعات، حيث تشير تقارير وطنية إلى أن أكثر من 70% من التلاميذ لا يتقنون المهارات الأساسية في القراءة والحساب عند نهاية التعليم الابتدائي.

أما قطاع الصحة، فبالرغم من تعميم الحماية الاجتماعية تدريجياً، فإن الخصاص في الموارد البشرية والبنيات التحتية يجعل الولوج العادل للعلاج هدفاً بعيد المنال بالنسبة لشرائح واسعة من المغاربة، خصوصاً في العالم القروي.

التضخم وغلاء المعيشة… القدرة الشرائية في مهب الريح

هذا و يضع التقرير التضخم ثالثاً ضمن المخاطر.. “التضخم” الذي قفز إلى مستويات قاربت 6 في المائة في بعض الفترات حسب بيانات بنك المغرب، أعاد ترتيب أولويات الأسر، حيث تحولت القدرة الشرائية إلى هاجس يومي.. فيما سجلت أسعار المواد الغذائية والطاقة زيادات متتالية تجاوزت 20 في المئة في ظرف وجيز، وذلك في سياق عالمي مضطرب، لكن أثرها المحلي بدا مضاعفاً بسبب هشاشة شبكات الحماية الاجتماعية، ورغم تعميم برامج الدعم الاجتماعي المباشر، فإن الفجوة بين تكلفة المعيشة والدخل ما تزال تتسع، ما يعمق الإحساس بعدم الأمان الاقتصادي ويؤثر في الاستقرار الاجتماعي.. خاصة الطبقة الوسطى التي أصبحت مهددة بالانزلاق نحو الهشاشة.

الأمن الغذائي والمائي… أزمة مناخية تتعمّق

على المستوى البيئي، يشير التقرير إلى أن نقص الموارد الطبيعية، خصوصاً الماء والغذاء، يمثل رابع التحديات الكبرى، حيث يعيش المغرب منذ سنوات على وقع جفاف متكرر، ما أدى إلى تراجع نسبة ملء السدود إلى أقل من 30% في بعض الفترات، و هذا أثر على الإنتاج الزراعي وعلى إمدادات الماء الصالح للشرب.

كما يسلط التقرير الضوء على هشاشة البنية التحتية في مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة، مثل الفيضانات وموجات الحرارة، والتي قد تتسبب في تعطيل خدمات حيوية كالكهرباء والماء والنقل.

ثروة غير متكافئة… فجوة تتسع بصمت

في المرتبة الخامسة، يبرز التقرير معضلة عدم المساواة في توزيع الثروة.. إذ تشير بيانات رسمية إلى أن أعلى 10% من السكان يستحوذون على نسبة كبيرة من الدخل الوطني، بينما تعيش نسبة مهمة من الأسر على حافة الفقر أو في وضعية هشاشة.. هذا التفاوت لا ينعكس فقط في مستوى الدخل، بل يمتد إلى الولوج غير المتكافئ للتعليم والتكنولوجيا والفرص الاقتصادية، ما يخلق دائرة مغلقة من إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال.

بين الاقتصاد والسياسة… اختبار الثقة

الرسالة الضمنية التي يحملها التقرير تتجاوز الأرقام لتلامس سؤال الثقة بين المواطن والمؤسسات، فاستمرار هذه الاختلالات قد يغذي الشعور بالإقصاء الاجتماعي، ويضعف الرهان على النموذج التنموي الجديد الذي يطمح إلى تقليص الفوارق وتعزيز العدالة.

وفي مفارقة ساخرة، يبدو أن المغرب الذي يراهن على مشاريع كبرى واستثمارات ضخمة، يواجه في الوقت ذاته تحديات يومية أكثر بساطة ولكن أكثر إلحاحاً: وظيفة لائقة، مدرسة جيدة، مستشفى قريب، وماء يكفي الجميع.

مفترق طرق حاسم

لا يقدم تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي مجرد تشخيص تقني، بل يطرح إنذاراً سياسياً واجتماعياً.. فالمغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما تسريع إصلاحات عميقة تعيد توزيع الفرص والثروة، أو مواجهة سيناريو تتسع فيه الفوارق وتتعاظم فيه الهشاشة.

في النهاية، ليست الأرقام وحدها هي ما يحدد مستقبل العدالة الاجتماعية، بل القدرة على تحويل هذه الأرقام إلى سياسات منصفة تعيد الثقة للمواطن وتمنح الاقتصاد معنى إنسانياً يتجاوز منطق النمو المجرد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى