أصدرت وزارة الاقتصاد والمالية في المغرب معاملات إعادة التقييم الخاصة بالضريبة على الدخل المرتبطة بالأرباح العقارية برسم سنة 2026، في خطوة تقنية تبدو للوهلة الأولى مجرد تحديث محاسباتي، لكنها في العمق تعكس محاولة الدولة التوفيق بين واقع اقتصادي متغير ونظام ضريبي يسعى إلى قدر من العدالة..
نادية فتاح العلوي وزيرة الاقتصاد والمالية
وقد تم نشر القرار في الجريدة الرسمية عدد 7486 الصادرة بتاريخ 26 فبراير 2026، استناداً إلى مقرر وزاري مؤرخ في 6 فبراير من السنة نفسها، وتقوم فلسفة هذا الإجراء على إعادة احتساب كلفة اقتناء العقارات القديمة وفق معاملات محددة تأخذ بعين الاعتبار تطور معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملة عبر الزمن، حتى لا تتحول الأرباح الناتجة عن بيع العقارات إلى مجرد أرباح “وهمية” ناتجة عن تغير قيمة النقود لا عن ارتفاع حقيقي في القيمة الاقتصادية للعقار.
أرقام تعكس تاريخ التضخم
تعكس معاملات إعادة التقييم المعتمدة نوعاً من “الذاكرة الاقتصادية” لسوق العقار المغربي، إذ تبرز الفوارق الكبيرة بين الفترات الزمنية المختلفة، فالعقارات التي تم اقتناؤها خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تخضع لمعاملات مرتفعة نسبياً تعكس التراجع الكبير في قيمة الدرهم خلال تلك العقود.. فعلى سبيل المثال، يبلغ معامل إعادة التقييم بالنسبة لسنة 1980 حوالي 4.646، وهو رقم يعكس حجم التحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب منذ تلك الفترة، وتتراجع هذه المعاملات تدريجياً مع الاقتراب من السنوات الحديثة، حيث تم تحديد معامل سنة 2000 في حدود 1.585، بينما يبلغ معامل سنة 2010 حوالي 1.296، أما السنوات الأقرب زمنياً، فتبدو التعديلات فيها محدودة نسبياً، إذ يصل معامل سنة 2022 إلى 1.078، وينخفض إلى 1.008 بالنسبة لسنة 2024، قبل أن يستقر عند 1.000 بالنسبة لسنة 2025، في إشارة إلى نوع من الاستقرار النسبي في مستويات الأسعار خلال السنوات الأخيرة مقارنة بالماضي البعيد.
القرار يؤطر العلاقة بين السوق والإدارة الضريبية
يشكل هذا القرار مرجعاً أساسياً لمختلف المتدخلين في القطاع العقاري، من موثقين وعدول وإدارة ضريبية، لأنه يوحد منهجية احتساب الأرباح العقارية على المستوى الوطني ويقلص هامش الاختلاف في تفسير القوانين الضريبية، وتبرز أهمية هذا التوحيد خصوصاً في سياق يشهد فيه السوق العقاري المغربي حساسية متزايدة تجاه مسألة الضرائب، حيث غالباً ما تتحول تقديرات الأرباح إلى مصدر نزاع بين الملزمين والإدارة، ومن خلال اعتماد معاملات رسمية وواضحة، تحاول السلطات الحد من تضخيم الوعاء الضريبي بشكل اصطناعي، وضمان أن الضريبة المفروضة تعكس أرباحاً حقيقية لا مجرد فروق حسابية ناتجة عن تغير قيمة العملة.
كيف تُحتسب الضريبة عملياً؟
تعتمد الإدارة الضريبية على هذه المعاملات لإعادة تقييم ثمن شراء العقار قبل احتساب الربح الخاضع للضريبة عند عملية البيع، ويتم ذلك ببساطة عبر ضرب سعر الشراء الأصلي في المعامل المحدد لسنة الاقتناء، وهو ما يسمح بتقريب القيمة التاريخية للعقار من قيمتها الحقيقية وفق تطور معدلات التضخم.
أما بالنسبة للعقارات التي تم اقتناؤها قبل سنة 1946، فقد تم اعتماد قاعدة جزافية تقوم على إعادة التقييم بنسبة ٪3 سنوياً، نظراً لصعوبة تحديد القيم التاريخية الدقيقة لتلك الفترة.. وبين هذه الأرقام الجافة والعمليات الحسابية الدقيقة، تتجسد في الواقع معركة صامتة بين الزمن الاقتصادي والآلة الضريبية، حيث تحاول الدولة باستمرار إعادة ضبط المعادلة بين العدالة الجبائية ومتطلبات تمويل المالية العمومية.