
°تحرير: جيهان مشكور
أعلن المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية أن سنة 2025 شهدت ولادة 109.656 مقاولة جديدة في المملكة، وفق البيانات الرسمية للوحة القيادة العامة لمرصد إحداث المقاولات.. يبدو الرقم على الورق، انتصارًا للاقتصاد وروح المبادرة، لكن الواقع يحمل نبرة مختلفة: أرقام مشرقة على خلفية مقاربة بيروقراطية لا تزال تعيق الكثير من الطموحات.
من الأرقام إلى الواقع: صراع الأشخاص الاعتباريين والأفراد
تفيد البيانات بأن 78.622 مقاولة من هذه الوحدات الجديدة تعود للأشخاص الاعتباريين، مقابل 31.034 للأشخاص الذاتيين، أي أن المشاريع الكبرى المهيكلة تحظى بيد عون الدولة، بينما المقاول الفردي يغامر في بحر من التعقيدات الإدارية والضرائب المخفية، كما لو كان يشارك في لعبة مثيرة، لا يربح فيها إلا من يعرف طرق التفادي والمناورة، وهنا تكمن المفارقة: فالديناميكية المزعومة للريادة تتحول أحيانًا إلى اختبار للصبر أكثر من كونها فرصة للنمو.
التجارة: محرك الاقتصاد أم تكرار للروتين؟
في ذات السياق، يستحوذ قطاع التجارة على المركز الأول بنسبة 35,7% من إجمالي المقاولات الجديدة، ما يعطي انطباعًا عن نشاط اقتصادي مزدهر، ومع ذلك، فإن هذا الازدهار غالبًا ما يُقابَل بالاحتكار الجزئي والتنافسية المشوهة، حيث يختبئ وراء الأرقام بريق لا يعكس التحديات اليومية للمقاولين الصغار، الذين يواجهون عقبات تسويقية وقانونية قد تقضي على مشاريعهم قبل أن تولد.
البناء والخدمات: أرقام بلا روح
هذا و يأتي قطاع البناء والأشغال العمومية والأنشطة العقارية في المرتبة الثانية بنسبة 19,65%، فيما تشكل الخدمات المتنوعة 17,63%.. هنا أيضا تبدو الأرقام واعدة، لكنها تخفي واقعًا أكثر قتامة: فمشاريع البناء، رغم أهميتها الاقتصادية، تتحول أحيانًا إلى صراع مع الإجراءات البيروقراطية، وتأجيلات التراخيص، وتضارب المصالح، أما الخدمات المتنوعة، فهي تمثل أملًا عصريًا، لكنها لا تزال تعتمد على شبكات معرفة محدودة وموارد مالية متذبذبة، ما يحوّل الابتكار إلى مراهنة محفوفة بالمخاطر.
الاقتصاد والبعد الاجتماعي والسياسي
لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن البعد الاجتماعي والسياسي.. فمن جهة تظهر الأرقام الرسمية نجاحًا مزعومًا، لكنها من جهة أخرى، تتجاهل هشاشة التشغيل، وضعف تكوين المقاولين الجدد، وغياب الدعم الفعلي للمشاريع الصغيرة.. ومن الناحية السياسية، يعكس استغلال هذه الإحصاءات رغبة السلطات في تقديم صورة مشرقة عن اقتصاد يشهد نموًا، بينما يعاني الميدان من خلل في التمويل، والبيروقراطية، ونقص الشفافية.
في النهاية تعكس سنة 2025 واقعًا مزدوجًا: فالمغرب يواصل التباهي بطفرة المقاولات الجديدة، لكن خلف هذه الصور اللامعة، يعيش القطاع الخاص والمقاول الفردي تحديات يومية تتطلب إرادة سياسية حقيقية، لا مجرد أرقام توضع في لوحات القيادة لتزيين التقرير الرسمي.




