
تتجه أنظار مهنيي قطاع الصيد البحري، اليوم الخميس، نحو محكمة الاستئناف الإدارية بأكادير، التي يرتقب أن تدخل ملف الباخرة الإسبانية “ترافيرسيا” مرحلة المداولة في القضاء الاستعجالي، في قضية أثارت نقاشا واسعا داخل أوساط المهنيين، بالنظر إلى أطرافها وطبيعة الخلاف القائم بين شركة يملكها مستشار برلماني وعضو بالمكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، وكتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري التابعة للحزب نفسه.
من باخرة “ابن العربي” إلى السفينة الإسبانية
تعود تفاصيل القضية إلى اقتناء الشركة المعنية رخصة تعويض سفينة الصيد الساحلي المغربية “ابن العربي”، التي توقفت عن النشاط بسبب تقادمها، قبل أن تتجه إلى السوق الإسبانية لاقتناء سفينة فولاذية تحمل اسم “ترافيرسيا”.
وفي السادس من يناير 2025، تقدمت الشركة بطلب رسمي لاستبدال السفينة المغربية القديمة بالسفينة الإسبانية، غير أن المسطرة القانونية كانت تشترط تطابق مواصفات السفينة الجديدة مع تلك الواردة في رخصة السفينة المراد تعويضها.
وأمام تجاوز مواصفات “ترافيرسيا” للحدود التقنية المعتمدة بالنسبة لسفينة “ابن العربي”، طلب المجهز الترخيص باستيرادها إلى المغرب قصد إخضاعها لتعديلات تقنية داخل ورش مغربي، مبررا ذلك بارتفاع تكاليف الأشغال في إسبانيا.
التزام مكتوب ورخصة إبحار مؤقتة
وعزز صاحب المشروع طلبه بالتزام كتابي يقضي بإجراء تعديلات تقنية تجعل مواصفات السفينة الإسبانية مطابقة لمواصفات “ابن العربي”، المحددة في حمولة إجمالية تبلغ 125 طنا، وحمولة صافية في حدود 21.51 طنا، مع محرك بقوة 420 حصانا.
وبناء على هذا الالتزام، حصلت السفينة على رخصة إبحار مؤقتة تحت العلم المغربي، بما يسمح لها بالإبحار بشكل قانوني في المياه الدولية إلى حين استكمال مسطرة التسجيل النهائي.
وفي يونيو 2025، رست “ترافيرسيا” بميناء أكادير بعد استكمال الإجراءات الجمركية والإدارية المعتادة، في انتظار الحصول على شهادة مطابقة الحمولة الضرورية لتسجيلها رسميا بالمحكمة التجارية واكتساب الجنسية المغربية.
القياسات التقنية تفجر الخلاف
لكن مسار الملف عرف منعطفا حاسما بعد إنجاز اللجنة الإدارية المختصة عمليات قياس تقنية للسفينة.
ووفق المعطيات المتوفرة، أظهرت نتائج القياس أن الحمولة الحقيقية للباخرة تبلغ 188.80 طنا كحمولة إجمالية و26.51 طنا كحمولة صافية، أي بزيادة تناهز 50 في المائة مقارنة بالمواصفات المحددة في الالتزام الكتابي ورخصة الاستبدال.
وتعتبر هذه المعطيات، بحسب المصادر ذاتها، كافية لتصنيف السفينة ضمن بواخر الصيد في أعالي البحار، وليس ضمن فئة الصيد الساحلي التي تدخل في إطار عملية التعويض.
كما تفيد المعطيات المتداولة بأن المجهز لم يقدم ما يثبت إنجاز التعديلات التقنية التي التزم بتنفيذها بعد وصول السفينة إلى المغرب.
لجنة مركزية وخبرة دولية تؤكدان النتيجة
وحسب معلومات حصلت عليها الجريدة، فإن لجنة مركزية تابعة لكتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري أعادت قياس مواصفات السفينة أكثر من مرة، لتخلص جميع العمليات إلى النتيجة ذاتها، وهي أن حمولة الباخرة تتجاوز بكثير السقف المحدد في وثائق الترخيص.
وفي مواجهة اتهامات وجهها المجهز إلى الأعوان الإداريين المحلفين بالتحامل عليه، تم اللجوء إلى مكتب دراسات دولي متخصص في هندسة السفن من أجل إنجاز خبرة تقنية مستقلة.
وخلصت هذه الخبرة، المنجزة اعتمادا على التصاميم التقنية للسفينة، إلى أن الحمولة الإجمالية تبلغ 186.62 طنا، وهي نتيجة قريبة جدا من الأرقام التي توصلت إليها اللجان الإدارية المختصة.
القضاء يحسم في مرحلة حاسمة
ومع تمسك الأعوان المحلفين بصحة الإجراءات والقياسات المنجزة وفق المقتضيات القانونية المنظمة للقطاع، وانتقال الخلاف من المستوى الإداري إلى القضائي، ينتظر مهنيون ومتابعون ما ستسفر عنه جلسة المداولة المرتقبة غدا الخميس.
ويكتسي القرار المنتظر أهمية خاصة داخل قطاع الصيد البحري، ليس فقط بسبب قيمة الاستثمار موضوع النزاع، بل أيضا لما قد يشكله من سابقة في تدبير ملفات تعويض السفن ومراقبة مدى احترام الشروط التقنية والقانونية المؤطرة لاستيراد بواخر الصيد وتعويض الأسطول.




