
تحرير: جيهان مشكور
تحوّل سؤال الامتحان الجهوي الموحد لنيل شهادة البكالوريا يوم فاتح يونيو من مجرد تمرين دراسي داخل ورقة اختبار إلى شرارة فجّرت جدلاً اجتماعياً حاداً كشف هشاشة التوازن بين الخطاب الرسمي حول المساواة والواقع الثقافي المتجذر في المجتمع، فقد اعتبره منتقدوه إعادة إنتاج فجة لخطاب تقليدي يختزل المرأة في أدوار الزواج والإنجاب، في لحظة يفترض فيها أن الدولة تتبنى شعارات التمكين وتكافؤ الفرص، وهكذا بدا وكأن مساراً طويلاً من النضال الحقوقي والإصلاحات الدستورية لم يترك سوى أثر هش، سرعان ما يتآكل أمام نصّ امتحاني يعيد تدوير نفس الصور النمطية القديمة، وكأن زمن التغيير لم يبدأ بعد.
من هفوة تربوية إلى أزمة فكرية
لم ينبع الغضب الذي اجتاح الأوساط الحقوقية والنسائية والأكاديمية من صياغة سؤال امتحاني فقط، بل من الرمزية الثقيلة التي يحملها صدوره داخل امتحان رسمي للدولة..
فالفاعلون الذين وقعوا على “رسالة مفتوحة” اعتبروا أن الأمر يتجاوز حدود الخطأ اللغوي أو سوء التقدير البيداغوجي، ليعكس استمرار حضور مخيال أبوي متجذر في بعض البنيات الثقافية والمؤسساتية.
وبحسب الموقعين، فإن خطورة القضية تكمن في أن الامتحان ليس مجرد أداة لقياس المعارف، بل وسيلة لصناعة التمثلات والقيم لدى الأجيال الصاعدة، وعندما يُقدم للتلاميذ تصور يوحي بأن الوظيفة الطبيعية للمرأة تنحصر في الزواج والأمومة، فإن الرسالة الضمنية تصبح أكثر تأثيراً من أي درس حول المواطنة أو المساواة أو حقوق الإنسان.
تناقض صارخ بين الخطاب الرسمي والواقع
تكشف هذه الواقعة عن مفارقة لافتة داخل المجتمع المغربي.. فمن جهة، تتحدث المؤسسات الرسمية عن تعزيز مشاركة النساء في التنمية والحياة السياسية والاقتصادية، وتستند إلى مقتضيات دستور 2011 الذي نص على مبدأ المناصفة والمساواة، ومن جهة أخرى، تظهر بين الفينة والأخرى ممارسات وخطابات تعيد إنتاج الصور النمطية ذاتها التي ساهمت تاريخياً في إقصاء النساء من مراكز القرار وسوق الشغل ومجالات التأثير.
هذا و لا يقتصر هذا التناقض على المدرسة فقط، بل يعكس صراعاً أوسع بين مشروع حداثي يسعى إلى تكريس المواطنة الكاملة للنساء، وبين رواسب ثقافية ما زالت تنظر إلى المرأة باعتبارها فاعلاً ثانوياً تدور أدواره حول الأسرة فقط، مهما بلغت مستويات تعليمها أو كفاءتها المهنية.
مسؤولية مؤسساتية لا تحتمل التهرب
أحد أبرز ما شددت عليه الرسالة المفتوحة هو أن مواضيع الامتحانات الرسمية لا تُعد بشكل ارتجالي، بل تمر عبر سلسلة من اللجان والمراحل التقنية والتربوية قبل اعتمادها، ولذلك رفض الموقعون التعامل مع الواقعة باعتبارها خطأ فردياً معزولاً، معتبرين أن المسؤولية تمتد إلى مختلف مستويات المراقبة والتدقيق التي سمحت بمرور السؤال دون اعتراض، ما يطرح تساؤلات محرجة حول مدى حضور مقاربة النوع الاجتماعي داخل المؤسسات التعليمية، وحول فعالية آليات المراجعة التي يفترض أن تمنع تسرب مضامين تتعارض مع المبادئ الدستورية والالتزامات الحقوقية للمغرب.
معركة لم تُحسم بعد معركة تتجاوز سؤالًا إلى مستقبل المجتمع
انخراط شخصيات وازنة مثل خديجة الرباح ونزهة الصقلي وسمية نعمان كسوس وجمال الدين ناجي وأحمد الرحموش إلى نبيل بنعبد الله ونور الدين لخماري وأحمد غايت وسناء العاجي، فضلا عن جمعيات نسائية وحقوقية بارزة، مثل الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب والحركة من أجل ديمقراطية المناصفة والجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء ومنتدى البدائل وجمعية عدالة، لم يكن موجهاً ضد سؤال امتحاني فقط، بل ضد منطق اجتماعي ما زال يقاوم الاعتراف الكامل بحقوق النساء.. وفي جوهر هذه القضية يبرز سؤال أكبر: كيف يمكن لمجتمع يطمح إلى التنمية والديمقراطية أن يستمر في إرسال رسائل متناقضة إلى نصف أفراده؟ فالمعركة اليوم لم تعد حول تعديل سؤال أو الاعتذار عنه، بل حول حسم الاختيار بين مدرسة تصنع مواطنين متساوين في الحقوق والفرص، ومدرسة تعيد تدوير القوالب القديمة بأشكال جديدة.
وفي هذا السياق، تبدو واقعة البكالوريا الأخيرة مجرد عرض لمرض أعمق يتمثل في الفجوة المتسعة بين الخطاب المعلن حول المساواة، والتمثلات التي ما تزال تتسلل إلى مؤسسات يفترض أنها تقود التغيير لا أن تعرقل مساره.





