
أعلنت شركة “كاش بلوس” عن إطلاق خدمة جديدة تتيح الأداء عبر الهاتف المحمول باستخدام رمز الاستجابة السريعة (QR) في محاولة جديدة لدفع عجلة التحول الرقمي في المغرب..
تبدو المبادرة في ظاهرها خطوة متقدمة لمواكبة التحولات العالمية في أنظمة الأداء، لكنها في العمق تضع الاقتصاد المغربي أمام مفارقة لافتة: بلد يطمح إلى رقمنة معاملاته التجارية بينما لا يزال جزء كبير من مواطنيه ينظر بحذر إلى البطاقة البنكية نفسها، فكيف برمز صغير يُمسح بكاميرا الهاتف؟
شرعت الشركة منذ يناير 2026 في نشر هذه الخدمة عبر متاجر القرب، حيث تمكنت إلى حدود الآن من تجهيز أكثر من 12 ألف تاجر في مختلف جهات المملكة بهذه التقنية.. فالفكرة بسيطة على الورق: هاتف ذكي وتطبيق مخصص يمكّن التاجر من تحصيل المدفوعات فوراً عبر مسح الكود، دون الحاجة إلى أجهزة الأداء البنكية التقليدية المكلفة.
اقتصاد “الكاش”… حين يصطدم المستقبل بالعادات
لكن الواقع المغربي يروي قصة مختلفة قليلاً, فبحسب معطيات بنك المغرب، ما يزال النقد يشكل أكثر من %80 من المعاملات اليومية في البلاد، بينما لا تتجاوز نسبة الأداء الإلكتروني جزءاً محدوداً من الاستهلاك العام, كما تشير تقارير القطاع البنكي إلى أن عدداً مهماً من البطاقات البنكية في المغرب يُستعمل أساساً لسحب النقود من الشبابيك الآلية، لا للأداء داخل المتاجر.. وتكشف هذه المفارقة أن المشكلة ليست فقط تقنية، بل ثقافية واقتصادية أيضاً، فالثقة في الأنظمة الرقمية لا تزال محدودة لدى شريحة واسعة من المواطنين، خصوصاً في المناطق الشعبية أو القرى، حيث يظل التعامل بالنقد رمزاً للبساطة والوضوح، لذلك يبدو إدخال الدفع عبر QR وكأنه محاولة لإقناع مجتمع ما يزال يتردد في استخدام البطاقة البنكية بأن يقفز مباشرة إلى مرحلة أكثر تقدماً من الأداء الرقمي.
تجارة القرب بين الرقمنة والاقتصاد غير المهيكل
تستهدف هذه المبادرة بالأساس قطاع تجارة القرب، وهو أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد المغربي، فوفق تقديرات رسمية، يضم هذا القطاع مئات آلاف المتاجر الصغيرة التي تشكل شبكة يومية لتزويد الأسر بحاجياتها الأساسية، كما أن جزءاً مهماً من هذه التجارة يرتبط بالاقتصاد غير المهيكل الذي يمثل، بحسب تقديرات مؤسسات رسمية، ما يقارب %30 من الناتج الداخلي الخام.
ومن هذا المنظور، فإن إدخال الدفع الرقمي إلى هذه المنظومة لا يتعلق فقط بتبسيط المعاملات، بل يحمل أيضاً رهانات اقتصادية وسياسية مرتبطة بتوسيع الشمول المالي وتقليص حجم الاقتصاد غير المصرح به، فكل عملية أداء إلكترونية تعني أثراً رقمياً يمكن تتبعه، وهو ما قد يساهم على المدى الطويل في إدماج آلاف التجار في الدورة الاقتصادية الرسمية.
بنية مالية واسعة… لكن الثقة هي التحدي الحقيقي
تعتمد الخدمة الجديدة على شبكة واسعة تضم أكثر من 5200 وكالة للشركة وما يزيد عن مليوني مستخدم لحسابات الأداء، ما يوفر بنية تحتية تسمح بانتشار الحل تدريجياً عبر مختلف مناطق المملكة، كما يمكن للتجار سحب الأموال المحصلة عبر الوكالات، بينما يستفيد المستخدمون من عروض استرجاع نقدي في بعض المعاملات.
غير أن السؤال الذي يطفو على السطح يبقى بسيطاً بقدر ما هو معقد: هل يستطيع رمز QR أن يغير ثقافة مالية ترسخت لعقود؟ فبين طموح الشركات في تسريع الرقمنة وواقع مجتمع ما يزال يفضل عدّ الأوراق النقدية بيده، تبدو رحلة التحول الرقمي في المغرب أشبه بمحاولة إقناع عاشق قديم للتقليد بأن المستقبل يمكن أن يبدأ… بمسح كود صغير على شاشة هاتف.




