
تعود ذكرى 18 مارس 2021 لتفتح من جديد واحدا من أكثر الملفات حساسية في شرق المغرب، حيث لا يتعلق الأمر فقط بترسيم حدود بين دولتين، بل بمصير أراضٍ وذاكرة جماعية وحقوق مواطنين وجدوا أنفسهم فجأة خارج جغرافية كانوا يعتبرونها جزءاً من حياتهم اليومية.
في مدينة فجيج، الواقعة على تخوم الحدود المغربية الجزائرية، لا تزال تداعيات ذلك التاريخ تلقي بظلالها على ساكنة العرجات، التي فوجئت بإخطارها من طرف السلطات الجزائرية بضرورة إخلاء أراضٍ كانت تستغلها لسنوات، بدعوى أنها تدخل ضمن السيادة الجزائرية وفق اتفاقية 1972.
أرض بلا يقين… وحقوق معلقة
الملف، كما تعكسه المعطيات الميدانية، لا يقف عند حدود النزاع الترابي، بل يتجاوزه إلى سؤال أعمق يتعلق بحماية حق الملكية. فذوو الحقوق، الذين ظلوا يستغلون الأراضي السلالية لعقود، وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد دون إشعار مسبق أو مواكبة قانونية كافية.
ورغم تدخل السلطات المغربية لاحقاً عبر تعويض جزء من المتضررين، إلا أن هذا الإجراء ظل، بحسب فاعلين محليين، محدود الأثر، إذ لم يشمل فئات واسعة ما تزال ملفاتها عالقة إلى اليوم، في غياب حلول شاملة تنهي حالة الترقب والاحتقان.
انقسام داخلي واحتقان اجتماعي
أفرز هذا الوضع حالة من الانقسام داخل صفوف ذوي الحقوق أنفسهم، بين من استفاد من التعويض ومن لم يستفد، وبين من يرى في الحل المؤقت نهاية للملف، ومن يعتبره مجرد “ترحيل للأزمة” دون معالجة جذورها.
هذا الانقسام، الذي يغذيه الغموض وغياب المعلومة الدقيقة، ساهم في تعميق الشعور بالغبن، خاصة في منطقة تعاني أصلاً من الهشاشة والتهميش وقلة فرص التنمية.
مطالب حقوقية… ورسائل إلى الدولة
في هذا السياق، خرجت الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان، فرع فجيج، ببيان يضع الدولة أمام مسؤولياتها، مؤكدة ضرورة الحسم في هذا الملف بما يضمن حقوق المتضررين.
الهيئة طرحت جملة من المطالب، أبرزها الكشف عن مصير ذوي الحقوق الذين لم يستفيدوا من أي تعويض، وتسريع الحسم النهائي في مسألة ترسيم الحدود بشكل واضح، تفادياً لتكرار مثل هذه الأزمات مستقبلاً.
كما عبّرت عن إدانتها لما اعتبرته حرماناً للمواطنين من أراضيهم وأرزاقهم، داعية إلى إنصاف المتضررين وجبر الضرر الذي لحق بهم.
بين السيادة والعدالة الاجتماعية
يبقى ملف فجيج نموذجاً معقداً لتداخل البعد السيادي بالبعد الاجتماعي، حيث لا يكفي ترسيم الحدود على الورق إذا لم يُواكَب بضمانات حقيقية لحقوق الساكنة.
فالمعادلة اليوم لم تعد فقط “لمن الأرض؟”، بل “ماذا عن الإنسان الذي عاش عليها؟”، وهو سؤال يضع صناع القرار أمام اختبار مزدوج: حماية السيادة من جهة، وضمان العدالة الاجتماعية من جهة أخرى.
فجيج… ذاكرة لا تُقتلع
في النهاية، لا تختزل القضية في نزاع حدودي عابر، بل في علاقة إنسان بأرضه، علاقة لا تُقاس بالخرائط فقط، بل بما تختزنه من تاريخ ومعيش يومي وارتباط وجداني.
وفي انتظار حلول واضحة ومنصفة، يظل صوت ساكنة فجيج مرتفعاً بشعار بسيط لكنه عميق:
“ما ضاع حق وراءه مطالب.




