
°تحرير: جيهان مشكور
في مشهد يكثف مفارقات الواقع الاجتماعي بالمغرب، أسدلت المحكمة الابتدائية بقصبة تادلة الستار على قضية الناشط محمد الوسكاري، بإدانته بثلاثة أشهر حبسا نافذا، بعد واقعة احتجاج بسيط تحوّل إلى ملف قضائي ثقيل.. أتى الحكم في سياق احتكاك مباشر بين شاب عاطل عن العمل وأحد أعوان السلطة، خلال وقفة احتجاجية أمام ملحقة إدارية للمطالبة بالحق في الشغل، وهو الحق الذي يظل، رغم دسترته، أقرب إلى الوعد المؤجل منه إلى الحقيقة الملموسة.
احتجاج يتحول إلى جريمة
تكشف تفاصيل الواقعة هشاشة العلاقة بين المواطن والسلطة المحلية، حيث يكفي احتكاك عابر ليتحول إلى تهم جاهزة من قبيل “إهانة موظفين عموميين” و”استعمال العنف” ، وهي تهم أصبحت، في كثير من الحالات، مظلة قانونية لتأطير كل أشكال الاحتجاج غير المرغوب فيه. حيث تابعت النيابة العامة الوسكاري على هذا الأساس، لتتحول لحظة غضب اجتماعي إلى ملف جنحي، وكأن البطالة لم تعد أزمة اقتصادية بل سلوكًا منحرفًا يستوجب العقاب.
ماستر بلا وظيفة… ومسار نحو الهامش
ما يزيد من رمزية القضية أن المعني بالأمر ليس مجرد محتج عابر، بل شاب حاصل على ماستر في القانون الخاص والعلاقات الدولية، أي نموذج حي لفئة واسعة من الشباب المغربي الذي استثمر سنوات في التعليم دون أن يجد موطئ قدم في سوق الشغل، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى أن معدل البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا يتجاوز 20% في بعض التقديرات، بينما يظل الإدماج الاقتصادي رهين فرص محدودة وسياسات تشغيل لا ترقى إلى حجم الطلب المتزايد.
وفي هذا السياق، لا يبدو احتجاج الوسكاري حدثًا معزولًا، بل امتدادًا لسلسلة طويلة من التعبيرات الاجتماعية التي تعكس اختلال التوازن بين العرض التعليمي والطلب الاقتصادي، فالدولة التي توسعت في إنتاج الشهادات لم تنجح بالقدر نفسه في خلق مناصب شغل تستوعب هذا الفائض من الكفاءات.
“قفة رمضان”… من رمز لل”تضامن” إلى عنوان للإهانة
سبق للوسكاري أن أثار الجدل عندما أعاد “قفة رمضان” إلى السلطات المحلية، في مشهد اعتبره كثيرون صرخة كرامة أكثر منه رفضًا للمساعدة، تلك القفة، التي يفترض أن تكون رمزًا للتكافل الاجتماعي، تحولت في نظر البعض إلى أداة لاحتواء الفقر بدل معالجته، أو حتى إلى وسيلة لتدبير الهشاشة بمنطق الإحسان لا بمنطق الحقوق، فيما تعيد هذه الحادثة طرح سؤال عميق حول طبيعة السياسات الاجتماعية، هل المطلوب هو توزيع الدعم الظرفي أم بناء مسارات إدماج حقيقية تحفظ كرامة المواطن؟ وبين القفة والحكم القضائي، يبدو أن الخيط الرفيع الذي يفصل بين الاحتياج والاحتجاج قد انقطع.
بين القانون والواقع… أي عدالة اجتماعية؟
الحكم بثلاثة أشهر حبسا نافذا يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول حدود تدخل القانون في معالجة قضايا ذات طابع اجتماعي صرف، فهل يكفي الردع القضائي لضبط الشارع، أم أن جذور الأزمة أعمق من ذلك بكثير؟ في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، يصبح الاحتجاج لغة شبه وحيدة لفئات واسعة، وهو ما يضع الدولة أمام اختبار حقيقي بين منطق الضبط ومنطق الاستجابة.
وفي النهاية، لا تبدو قضية الوسكاري سوى مرآة تعكس اختلالات بنيوية، حيث يتحول الحلم بوظيفة إلى تهمة، والاحتجاج إلى جريمة، فيما تظل الأسئلة الكبرى معلقة دون جواب.




