
في مشهد يبدو مألوفاً حدّ الملل، تكشف نتائج استطلاع حديث لمنصة “أفروبارومتر” عن حقيقة يصعب تزيينها بخطابات التفاؤل: ثقة الشباب المغربي في العمل السياسي تواصل الانحدار دون ضجيج، ولكن بثبات يثير القلق، والمفارقة الصادمة أن هذا التراجع لم يعد حكراً على جيل بعينه، بل بات الشباب يقفون في نفس مربع الشك الذي يحتله كبار السن، وكأن فجوة الأجيال التي طالما استُحضرت لتفسير السلوك السياسي قد تبخرت أمام واقع أكثر قسوة، حيث الجميع متساوون في خيبة الأمل.
الفساد كعدسة لفهم السياسة
لا يحتاج الأمر إلى كثير من التنقيب لفهم جذور هذا العزوف، فالمعطى الحاسم الذي يطفو على السطح هو تنامي إدراك الفساد داخل المؤسسات السياسية.. حين يصبح الفساد ليس مجرد استثناء بل تصوراً عاماً، فإن السياسة تتحول في وعي الشباب من أداة للتغيير إلى فضاء مغلق لإعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الممارسات، و تشير تقارير وطنية إلى أن نسباً معتبرة من المغاربة ترى أن الفساد مستشرٍ في دواليب الدولة، وهو ما ينعكس مباشرة على صورة المنتخبين، الذين يُفترض فيهم تمثيل الإرادة الشعبية، فإذا بهم يُتهمون بخدمة مصالح ضيقة.
يخلق هذا الإدراك حالة من الانفصال بين الخطاب الرسمي الذي يرفع شعارات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وبين واقع يومي يشعر فيه المواطن بأن تلك الشعارات لا تتجاوز حدود المناسبات.. فالشباب، الذين يُفترض أنهم أكثر حساسية تجاه قيم العدالة، يجدون أنفسهم أمام معادلة مختلة: مبادئ يؤمنون بها نظرياً، لكنهم لا يرون لها أثراً ملموساً.
بين الإيمان بالمبادئ وغياب الثقة في التطبيق
رغم هذا السواد، لا يبدو أن الشباب قد تخلوا عن الإيمان بأساسيات الدولة الحديثة. ففكرة المساءلة واحترام سيادة القانون ما تزال تحظى بقبول واسع بينهم، غير أن الإشكال يكمن في فجوة التنفيذ، وهو ما يعمق الإحساس بأن السياسة في المغرب تعيش ازدواجية مزمنة بين النص والممارسة. هذه الهوة ليست مجرد تفصيل تقني، بل هي ما يغذي الشعور العام بعدم الجدوى، ويحول المشاركة السياسية إلى فعل يبدو، في نظر كثيرين، بلا أثر حقيقي.
مشاركة باردة ومسارات بديلة للتعبير
على مستوى السلوك، ينعكس هذا التآكل في الثقة على أنماط المشاركة المدنية، فالشباب أقل انخراطاً في القنوات التقليدية مثل الأحزاب والانتخابات، وهي مفارقة في بلد يراهن رسمياً على تجديد النخب عبر صناديق الاقتراع، في المقابل، يختار جزء منهم التعبير بطرق بديلة، كالمشاركة في المظاهرات أو الانخراط في النقاشات السياسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تبدو المساحة أوسع والرقابة أقل، ولو أن التأثير الفعلي يظل محل نقاش.
وفي النهاية، لا يبدو المشهد مجرد أزمة ثقة عابرة، بل مؤشر على خلل أعمق في العلاقة بين الدولة وشبابها، حين يفقد الجيل الصاعد إيمانه بجدوى السياسة، فإن الرهان لا يكون فقط على نسب المشاركة، بل على معنى المشاركة ذاته، في بلد يزداد فيه السؤال إلحاحاً: من يمثل من، ولصالح من تُدار اللعبة؟





