الرئسيةثقافة وفنوندابا tv

طقس الفرح..حين يغني العيد على مقام الأندلس

يُعد الطرب الأندلسي، أو ما يُعرف في المغرب بـ”موسيقى الآلة“، أكثر من مجرد تراث موسيقي عريق؛ فهو جزء أصيل من الذاكرة الروحية والاجتماعية للمغاربة، يرتبط بشكل وثيق بمواسم الفرح والاحتفاء الديني.

ففي مناسبات كـ عيد الفطر والمولد النبوي، يستعيد هذا الفن حضوره القوي داخل البيوت والزوايا والفضاءات الثقافية، حيث تمتزج الألحان العذبة بنفحات الذكر والمديح، في أجواء تعكس عمق الوجدان المغربي وتعلقه بالتقاليد.

أنغام الأندلس في حضرة الفرح

نشأ الطرب الأندلسي في فضاء الأندلس، حيث تعايشت شعوب وثقافات متعددة، قبل أن ينتقل إلى بلدان المغرب الكبير مع موجات الهجرة، خاصة بعد سقوط الأندلس.

ومنذ ذلك الحين، وجد هذا الفن في المغرب تربة خصبة حافظت عليه وطورته، ليصبح جزءا من الهوية الثقافية الوطنية.

وقد ارتبط ازدهار هذا الفن بأسماء لامعة، من أبرزها زرياب، الذي أحدث ثورة فنية في الغناء والموسيقى بالأندلس عبر تطوير المقامات وتنظيم الأداء وإدخال تحسينات على آلة العود، إلى جانب ابن باجة الذي ساهم في إغناء الجانب النظري للموسيقى وربطها بالفلسفة.

كما برز في المغرب لاحقا رواد كبار مثل عبد الكريم الرايس ومحمد بن العربي التمسماني والحاج محمد باجدوب، الذين لعبوا دورا محوريا في صون هذا التراث ونقله عبر الأجيال.

الأندلس… صوت الروح في الأعياد

وتُعتبر الموسيقى الأندلسية ثمرة تمازج فني فريد بين الموسيقى العربية والمغاربية، حيث انصهرت فيها تأثيرات متعددة ناتجة عن تعايش العرب والبربر والقوط وغيرهم داخل الأندلس، ما أكسبها طابعا مميزا يحافظ على أصوله العربية مع خصوصية محلية واضحة. وفي هذا السياق، يرى عبد العزيز بن عبد الجليل أن هذا الفن يُعد امتدادا من امتدادات الموسيقى العربية، لكنه تفرد بخصائص شكلتها عوامل تاريخية وثقافية متعددة.

نوبات العيد… روح الأندلس

ويقوم الطرب الأندلسي على بناء موسيقي متكامل يُعرف بـ”النوبة”، وهي مجموعة من القطع الموسيقية والغنائية المرتبة وفق نظام دقيق يراعي الإيقاع والتدرج اللحني. ويُعتمد في أدائه على آلات تقليدية مثل العود والرباب والطر، إلى جانب النصوص الشعرية التي تُغنى ضمن قوالب فنية راقية، أبرزها الموشحات والأزجال.

كما تعد الموسيقى الأندلسية أحد أهم الفنون بالمغرب وتتركز أغلب موضوعاتها حول المدائح النبوية والموشحات الشعرية التي نظمها شعراء الأندلس كابن زيدون وأبو البقاء الرندي وغيرهما، وتتميز ألحانها بحضور قوي للآلات الموسيقية التي كان موطن ظهورها الأول الحواضر الأندلسية كــ”الرباب”.

وقد ظهر فن الموشح في الأندلس كتجديد شعري تحرر من قيود القصيدة العربية التقليدية، إذ يقوم على تنويع في القوافي وتعدد في المقاطع، مما أتاح مرونة أكبر في التلحين والأداء.

أما الزجل، فهو شكل قريب من الموشح لكنه يُكتب باللهجة العامية، ما جعله أكثر قربا من عامة الناس، مع احتفاظه بقيمته الفنية العالية.

وقد تناول عباس الجراري هذه الأشكال موضحاً بنيتها الفنية ودورها في إثراء الغناء الأندلسي.

من الأندلس إلى العيد

أما مصطلح “النوبة”، فيعود إلى العصر العباسي، خاصة في عهد هارون الرشيد، حيث كان يدل على الدور أو الوقت المخصص للأداء الموسيقي، قبل أن يستقر معناه في الأندلس ليشير إلى هذا البناء اللحني المتكامل.

والنوبة ليست مجرد مقطوعات متتالية، بل نظام موسيقي دقيق ينسجم مع أوقات اليوم وفصول السنة، ويعكس حالات شعورية متعددة.

وهكذا، يظل الطرب الأندلسي في المغرب أكثر من مجرد فن موسيقي؛ إنه تعبير عن تاريخ طويل من التلاقح الحضاري، ومرآة لروح ثقافية حافظت على توازنها بين الأصالة والتجدد، واستمرت في الحضور داخل المجتمع المغربي، سواء في المناسبات أو ضمن الفرق الموسيقية التي ما تزال تحيي هذا التراث العريق.

اقرأ أيضا…

“الطعريجة”..رمز احتفالات المغاربة بعاشوراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى