الرئسيةبيئةمجتمع

بين الوفرة وشبح الإفلاس المائي..وهم الغيث المؤقت

في بلد اعتاد أن يقرأ مواسمه على إيقاع الغيث، بدا أن التساقطات الأخيرة أعادت شيئاً من الطمأنينة إلى المزاج العام، وكأن الطبيعة قررت تأجيل الكارثة. غير أن تقريراً حديثاً صادراً عن جامعة الأمم المتحدة يعيد ترتيب المشهد ببرودة الأرقام، واضعاً المغرب ضمن قائمة الدول ذات المخاطر المائية “العالية جداً”، في تصنيف لا يعكس فقط تقلبات المناخ، بل يكشف خللاً أعمق في طريقة إدارة هذا المورد الحيوي.. فالمسألة لم تعد مرتبطة بندرة عابرة، بل بمسار استنزافي طويل يجعل من كل قطرة مطر حدثاً إعلامياً أكثر منه تحولاً بنيوياً.

الجفاف الذي نصنعه بأيدينا

بعيداً عن السردية المريحة التي تُحمّل التغيرات المناخية كامل المسؤولية، يطرح التقرير مفهوم “الجفاف البشري المنشأ”، حيث تتحول السياسات العمومية إلى عامل مضاعف للأزمة، حيث تستهلك الفلاحة في المغرب ما يقارب %85 من الموارد المائية، وهي نسبة تعكس اختلالاً صارخاً بين متطلبات الاقتصاد وإكراهات الطبيعة، والمفارقة أن جزءاً مهماً من هذه المياه يُوجَّه لزراعات تصديرية شرهة للماء، مثل الأفوكادو والحوامض، التي شهدت توسعاً ملحوظاً خلال العقد الأخير، حتى في مناطق تعرف أصلاً ضغطاً مائياً حاداً.. وهنا، لا يبدو الجفاف قدراً، بل نتيجة خيارات اقتصادية تفضل العملة الصعبة على حساب التوازن البيئي.

الفرشة المائية.. بنك يُستنزف بلا رصيد

وإذا كانت السدود تعكس الوضع الظاهر للأزمة، فإن الخطر الحقيقي يتوارى في باطن الأرض، حيث تتآكل الفرشات المائية بصمت.. فهذه الموارد، التي تشكل نحو %30 من الإمدادات المائية، تُستغل بوتيرة تفوق بكثير قدرتها الطبيعية على التجدد، ففي حوض سوس ماسة، أحد أهم الأحواض الفلاحية، انخفض منسوب المياه الجوفية بشكل مقلق خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الضخ وتراجع مردودية الاستثمارات الفلاحية، أن ما يحدث هنا أشبه بسحب مستمر من حساب ادخاري دون أي إيداع، في انتظار لحظة الإفلاس التي قد لا تترك فرصة للإنقاذ.

مفارقة السياسات بين الغيث والاختلال

ورغم تسجيل بعض المواسم الممطرة نسبياً، يؤكد التقرير أن الأمطار وحدها لا تصنع أمناً مائياً، فالمشكلة تكمن في نمط الاستهلاك، لا في حجم الموارد فقط.. إذ يمكن للمغرب أن يعيش سنة فلاحية جيدة، وفي الوقت نفسه يقترب أكثر من العجز المائي، لأن السياسات لم تتغير، وهذه المفارقة تكشف أن التعويل على التقلبات المناخية كحل هو نوع من الهروب إلى الأمام، في حين أن المطلوب هو إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والماء، بعيداً عن منطق الاستنزاف.

بين وهم الربح واستحقاق البقاء

يضع التقرير صناع القرار أمام معادلة معقدة: كيف يمكن التوفيق بين الأمن الغذائي والأمن المائي؟ فدعم الزراعات التصديرية قد يحقق عوائد اقتصادية سريعة، لكنه يحمل كلفة بيئية باهظة قد تهدد استدامة هذا النموذج نفسه، في المقابل، تبدو البدائل واضحة لكنها مؤجلة، من قبيل التحول نحو زراعات أقل استهلاكاً للماء، وتعميم تقنيات الري الموضعي، وإعادة توجيه الدعم العمومي نحو أنماط إنتاج أكثر انسجاماً مع الواقع المناخي.

إنذار بلغة الأرقام لا تحتمل التأجيل

ما يقوله التقرير في جوهره هو أن المغرب لا يواجه أزمة مياه بقدر ما يواجه أزمة تدبير، ومع تراجع حصة الفرد من المياه إلى أقل من 600 متر مكعب سنوياً، وهو رقم يقترب من عتبة الندرة المطلقة، يصبح الحديث عن “الإفلاس المائي” أقل مبالغة وأكثر واقعية، وفي هذا السياق، لم يعد الإصلاح خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة وجودية، لأن الماء، بخلاف كل الموارد، لا يمنح فرصة ثانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى