الرئسيةحول العالمدابا tv

في ذكرى يوم الأرض..حين يصبح التراب قضية وهوية+فيديوهات

بقلم: أ/د

في الثلاثين من مارس، لا يمر اليوم عابراً في الذاكرة الفلسطينية؛ بل يعود محملا بنداء الأرض، مثقلاً بحكاياتها، ومضيئا بأسماء الذين سقطوا ليبقوا.

الأرض ليست سلعة وليست قابلة للمساومة

قبل خمسين عاما، في عام 1976، وقف الفلسطيني في وجه المصادرة، وقال كلمته التي لم تخفت: الأرض ليست سلعة، وليست قابلة للمساومة.

يومها، حين صادرت إسرائيل مساحات واسعة من أراضي الجليل والنقب، اشتعلت الأرض غضبا، وارتفعت أصوات الاحتجاج، فارتقى شهداء، وسُفك دم صار منذ ذلك الحين بذرة ذاكرة لا تموت.

ومنذ ذلك اليوم، صار “يوم الأرض” أكثر من ذكرى؛ صار وعدا متجددا، وعهدا يتناقله جيل عن جيل، بأن التراب الذي ارتوى بالدم لا يُفرط فيه.

تشير الأرقام إلى استيلاء الاحتلال خلال عام 2025 على آلاف الدونمات

اليوم، بعد نصف قرن، يعود الفلسطيني، في فلسطين، وفي المنافي، وفي كل بقاع الشتات ليحيي الذكرى نفسها، لكن بقلبٍ مثقلٍ بوجعٍ متجدد.

فالأرض التي دافع عنها الآباء، ما تزال تُنتزع قطعةً قطعة؛ إذ تشير الأرقام إلى استيلاء الاحتلال خلال عام 2025 على آلاف الدونمات، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين، واتساع رقعة السيطرة في الضفة الغربية.

وفي الوقت ذاته، يئن قطاع غزة تحت القصف، رغم اتفاقات هدنة لا تصمد أمام آلة الحرب، فيما تُغلق أبواب المسجد الأقصى، ويغيب العالم في ضجيج صراعات أخرى، كأن الألم الفلسطيني يُترك وحيدا في مواجهة الزمن.

ومع ذلك، لا تخفت الحكاية.

ففي كل ذرة تراب، ما يزال صدى 1976 يتردد، وفي كل شجرة زيتون، تقف الذاكرة شامخة. الفلسطيني لم يتعب من الحلم، ولم يتخلّ عن أرضه، ولم يقبل أن يُختصر وجوده في أرقام المصادرة أو خرائط التهجير.

خمسون عاماً مضت، لكن يوم الأرض لم يشيخ.


ما زال شاباً في عيون الأطفال، حيّاً في وجدان الشيوخ، متقداً في قلوب من يؤمنون أن الحرية حقّ، وأن الكرامة لا تسقط بالتقادم.

إنه اليوم الذي قال فيه الفلسطيني للعالم:
نحن هنا… باقون… ما بقيت الأرض.

ولأن الأرض في الوجدان الفلسطيني ليست مجرد جغرافيا، بل روح وهوية، فقد وجدت طريقها إلى القصيدة قبل أن تُكتب في بيانات السياسة. فالشعراء الفلسطينيون لم يصفوا الأرض، بل عاشوها نابضا، ورفعوها إلى مقام الأم التي لا تُعوض، والبيت الذي لا يُنسى، والجرح الذي لا يندمل.

محمود درويش جعل من الأرض معجماً كاملاً للمعنى

وفي مقدمة هؤلاء، يقف محمود درويش، الذي جعل من الأرض معجماً كاملاً للمعنى، ومن الوطن قصيدة لا تنتهي. لم يكن يتحدث عن الأرض بوصفها مساحة، بل ككائن حيّ يسكنه ويسكنها، حتى قال في واحدة من أكثر عباراته خلوداً: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، جاعلاً من التمسك بها فعلاً وجودياً لا مجرد موقف سياسي.

وفي قصائده، تتحول الأرض إلى أمّ، إلى خبزٍ يومي، إلى لغةٍ أولى لا تُنسى. كان يرى أن اقتلاع الفلسطيني من أرضه ليس فقداناً لمكان، بل محاولة لاقتلاع الذاكرة نفسها. لذلك ظلّت قصيدته مقاومة ناعمة، تحرس المعنى من التلاشي، وتعيد تعريف الانتماء كل مرة.

ولم يكن درويش وحده في هذا المسار؛ فقد كتب سميح القاسم عن الأرض كأنها قدر لا فكاك منه، مردداً بإصرار أن البقاء فيها هو شكل من أشكال التحدي. أما توفيق زياد، فحوّل الكلمة إلى موقف مباشر حين قال: “هنا باقون”، لتصبح العبارة شعاراً يتجاوز الشعر إلى الفعل اليومي للصمود.

“يوم الأرض” ليس فقط ذكرى تاريخية بل قصيدة جماعية

وفي هذا السياق، يصبح “يوم الأرض” ليس فقط ذكرى تاريخية، بل قصيدة جماعية كتبها الفلسطينيون بدمهم وكلماتهم معاً. فالشعر هنا لا يواسي فقط، بل يوثّق، ويقاوم، ويمنح الأرض صوتاً حين يُراد لها أن تصمت.

هكذا، تتقاطع القصيدة مع الحكاية، ويغدو الأدب امتداداً للنضال، وتبقى الأرض—كما أرادها شعراؤها—وعداً مفتوحاً، لا يُمحى، ولا يُؤجَّل.

في 30 مارس 1979، شارك  الشاب محمد كرينة المغربي، في إحياء ذكرى يوم الأرض، استجابة لدعوة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، تضامناً مع الشعب الفلسطيني. وبعد أيام، وتحديداً في 17 أبريل، تم اعتقاله من داخل ثانوية الخوارزمي، بعد أن اقتحمت قوات القمع حرمة المؤسسة التعليمية.

ورغم مطالب الدفاع بعرضه على الطبيب خلال محاكمته في 23 أبريل، قوبل الطلب بالرفض، ليُترك وحيدا في مواجهة التعذيب. وفي 24 أبريل 1979، أسلم روحه متأثرا بما تعرض له من تعذيب وحشي، ليصير دمه شاهدا على أن فلسطين لم تكن قضية شعبٍ واحد، بل قضية أحرار.

هكذا، تتقاطع الأرض بالقصيدة، وتمتزج الحكاية بالدم، ويصبح “يوم الأرض” ذاكرةً عابرة للحدود، وجسراً يربط بين الشعوب في معنى الكرامة، وتجعل أنصار التطبيع هنا في مغربنا بلا ذاكرة وبلا تاريخ مع شعب انتمى فعليا وقولا مع قضية فلسطين بوصلته للتحرر…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى