الرئسيةثقافة وفنون

تتويج مزدوج لعادل الفاضلي بهولندا

تُوّج المخرج المغربي عادل الفاضلي بالجائزة الكبرى للدورة السادسة من المهرجان الدولي للسينما والهجرة بأوتريخت الهولندية الذي امتد ما بين 10 و12 أبريل الجاري، عن فيلمه «أبي لم يمت»، إلى جانب جائزة لجنة التحكيم، في تتويج مزدوج يعكس حضورًا متصاعدًا للسينما المغربية داخل المحافل الدولية التي تُقيّم الأعمال بعمقها الفكري وقدرتها على مساءلة قضايا الذاكرة والهوية والهجرة.

ويؤكد هذا الإنجاز إجماعًا نقديًا على قوة العمل، مبرزًا انتقال السينما المغربية من مشاركة رمزية إلى فاعل مؤثر يفرض حضوره بجرأة الطرح وتماسك الرؤية، في سياق تحولات لافتة يشهدها المشهد السينمائي الوطني.

«أبي لم يمت»: حكاية شخصية بامتداد جماعي

يقدم الفيلم قصة طفل يُدعى مالك يفقد والده في ظروف غامضة، لينطلق في رحلة بحث عن الحقيقة، لكن هذه الحكاية سرعان ما تتجاوز بعدها الفردي لتغوص في عمق مرحلة حساسة من تاريخ المغرب، حيث تتحول رحلة الابن إلى بحث عن معنى الغياب، وعن العدالة المؤجلة، وعن ذاكرة جماعية لم تُحسم بعد.. وتكمن القوة الحقيقية للفيلم في هذا التداخل بين الحميمي والسياسي؛ إذ لا يُقدَّم التاريخ كوقائع جافة، بل كجراح حية تنعكس في مصير الأفراد، وتعيد تشكيل وعيهم وهويتهم، فالفيلم لا يكتفي بسرد حكاية، بل يطرح أسئلة ثقيلة حول العدالة الانتقالية، والمصالحة، وحدود الإنصاف التاريخي.

الفيلم، الذي سبق أن فاز أيضًا بـ الجائزة الكبرى للدورة 23 من المهرجان الوطني للفيلم، عُرض تجاريًا في 8 يناير 2025، ومدته 100 دقيقة، وصُوِّر بالكامل في استوديوهات الدار البيضاء.. كما يضم في لائحته التمثيلية أسماء لافتة مثل نادية كوندا، فوزي بنسعيدي، ديدييه بنيورو، عمر لطفي، فاطمة أفتي، ومحمد خيي، إلى جانب الراحل عزيز الفاضلي، ما يمنح العمل موقعًا خاصًا داخل السينما المغربية الحديثة: فهو لا يكتفي باستحضار مرحلة من “سنوات الرصاص” ، بل يصوغها من خلال منظور طفل، أي من خلال براءة تُجبر على مواجهة العنف السياسي والغياب الأبوي معًا.

من الهامش إلى المركز: مسار فني يتشكل

هذا التتويج يُمثِل امتداد لمسار فني راكمه الفاضلي عبر سنوات من الاشتغال على مشاريع سينمائية تنبش في الهامش الاجتماعي وتعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء بلغة سينمائية حديثة.. وما يميز تجربته هو قدرته على الجمع بين الحس الواقعي والنزعة التأملية، حيث تتحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى مادة درامية كثيفة.. في أسلوب جعل أعماله قادرة على اختراق الحدود الجغرافية، إذ يجد المتلقي الأجنبي نفسه أمام حكايات محلية بنَفَس إنساني كوني.

سينما مغربية بين الطموح والإكراهات

رغم هذا التتويج، لا يمكن إغفال الإكراهات البنيوية التي تعاني منها السينما المغربية، بدءاً من محدودية التمويل، مروراً بإشكاليات التوزيع، وصولاً إلى ضعف القاعات السينمائية.. فحسب معطيات رسمية، لا يتجاوز عدد القاعات النشيطة في المغرب بضع عشرات، وهو رقم هزيل مقارنة بعدد السكان، ما يطرح سؤال العلاقة بين الإنتاج السينمائي والجمهور المحلي.

ويضع هذا التناقض المخرجين المغاربة أمام مفارقة حقيقية: نجاح دولي متزايد مقابل حضور داخلي محدود، وهو ما يجعل من تجربة الفاضلي نموذجاً يستحق التأمل، ليس فقط من زاوية التتويج، بل من حيث قدرته على تجاوز هذه الإكراهات وفرض اسمه في فضاءات دولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى