“جوج رواح” لأكعبون كوميديا الهُويات في زمن التحولات+فيديوهات
01/05/2026
0
بقلم: الناقد السينمائي محمد بكريم
“النقد كأداة للتحرر (Dé-coloniale Critique): إن مهمة الناقد في “المحيط” اليوم هي ممارسة “القطيعة الإبستمولوجية” مع الخطاب النقدي” المركزي” بموازاة مع توظيف مضاد (توطينها) لمفاهيمه الُمؤسسة.
Screenshot
يبدو ان هناك تململ إيجابي في المشهد السينمائي
مثلا يجب أن نتساءل: لماذا نعتبر هذا الفيلم “جيدا؟” هل لأنه استجاب لمعايير منظومة صناعة الفرجة العالمية (“نتفليكس”، “مهرجان كان”…)، أم لأنه استطاع أن يلمس وجدان المشاهد في الدار البيضاء أو تطوان أو اكادير؟”.
كان هذا على سبيل التقديم… يبدو ان هناك تململ إيجابي في المشهد السينمائي يؤشر عن ربيع حقيقي (ابريل- مايو2026) للسينما المغربية يتجلى في عودة التنوع الى العرض السينمائي وذلك عبر حضور الأقطاب الثلاث التاريخية للسينما المغربية: كوميدية جماهيرية + سينما “المؤلف” + سينما الوسط.
فالمشاهد المغربي يمكن ان ينتقل من فيلم متفرد شكلا ومضمونا (المطرود من رحمة الله) وأفلام تتوخي الوصول الى أوسع جمهور دون التخلي عن طموحاتها الفنية والجمالية باستحضار وتعبئة قواعد سينما النوع (سينما الحكاية الرومانسية مع حومة مالقة، وسينما الرعب مع فيلم فندق السلام) الى افلام خفيفة كوميدية جماهيرية (جوج رواح).
تنوع ايجابي يخترق نسبيا وظرفيا «طغيان الكوميديا” على الشاشة المغربية طوال الشهور الأخيرة إن لم اقل السنوات الأخيرة.
تنوع في العرض لا يوازيه تنوع في الخطاب المرافق
غير أن هذا التنوع في العرض لا يوازيه تنوع في الخطاب المرافق. هذه الأفلام تواجه قدرها في شبه يُتم نقدي.
فاذا كانت السينما ذات التوجه الجماهيري تعتمد أصلا على “النقد” الذي يأتيها من شباك التذاكر فإن السينما “المختلفة” هي التي تعاني من هذا الفراغ النقدي. في استقراء سريع لهذا الوضع من زاوية سوسيولوجية المعرفة أقول بأن الأفلام المغربية تجد نفسها أمام مواجهة مباشرة بين تيارين نقديين يقرأ كل منهما المشهد من زاوية مختلفة تماماً.
وهذا ما اسميته النقد الديموقراطي مقابل النقد الارستقراطي.
بالنسبة للنقد الأرستقراطي، تاريخيا يحيل الى “سدنة الهيكل”، السينما مجموعة من المواصفات المحدودة تحصرها في أبعاد فنية، فكرية، ثقافية.
ينظر هذا التوجه للسينما الكوميديا الجماهيرية التي تتصدر شباك التذاكر كسينما استهلاكية تفتقر للعمق البصري والفلسفي. بل تكرس التفاهة وتمنع الجمهور من الارتقاء ل”ذوق” فني أكثر تعقيداً.
في المقابل يرى أنصار النقد الديمقراطي بان “مشروعية الشباك” ليست وصمة عار ويعتبر الإقبال الجماهيري استفتاءً شعبياً لا يمكن تجاهله. هو نقد “ديمقراطي” لأنه لا ينظر للجمهور ككتلة سلبية، بل كفاعل يختار عن وعي ما يشاهده، وهو متحرك وغير ثابت (لا يخضع لوصفة جاهزة).
وقبل هذا وذاك يرد الاعتبار للوظيفة الترفيهية ويرى أن السينما، قبل أن تكون “فلسفة” و”فكر”، هي طقس اجتماعي وتفريغ نفسي (كتارسيس) ضروري للمجتمع.
سياق هذا الكلام هو مشاهدتي، وسط جمهور غفير متحمس ومنضبط لطقوس القاعة (الكوليزي- مراكش) للفيلم الكوميدي “جوج رواح” الذي يتقدم شباك التذاكر المحلي منذ بداية عروضه انطلاقا من عيد الفطر.
ورغم تعدد مستويات القراءة التي يفتح أفقها الفيلم فإنني سأتناوله من زاوية النوع الكوميدي ومساءلة الحدث الدرامي الرئيسي الذي يشتغل كمحرك للقصة (تحول الأرواح).
اعتبر أولا أن مقاربة “جوج رواح” من منظور الدراسات الثقافية (cultural studies) بمثابة المقاربة الأكثر إنصافاً للسينما الشعبية.
الدراسات الثقافية لا تسأل “هل هذا الفيلم جيد فنياً؟” (بالمعنى الكلاسيكي)
فالدراسات الثقافية لا تسأل “هل هذا الفيلم جيد فنياً؟” (بالمعنى الكلاسيكي)، بل تسأل: “ماذا يقول هذا الفيلم عن المجتمع الذي يشاهده؟”.
من هذا المنظور، تصبح الكوميديا المغربية “موضوعاً ثقافياً” غنياً لأنها تفكك الهوية اليومية لاعتمادها سيناريو القرب الذي يعيد إنتاج لغة الناس، وتوظيف الإشارات والاحالات ذات البعد الرمزي، والمفارقات الطبقية التي يعيشها المجتمع في تنوعه وتعدده.
إن طغيان الكوميديا في شباك التذاكر المغربي ليس علامة “إفلاس ثقافي” بالضرورة، بل هو مؤشر على أن الجمهور يبحث عن “المرآة”.
النقد الديمقراطي لا يكتفي بتتبع “السينما الجادة”، بل يدعو للاعتراف بأن الفيلم الذي يشاهده مليون مغربي هو وثيقة سوسيولوجية تستحق الدراسة والتحليل، وليس فقط الازدراء/ التجاهل لمجرد كونه “جماهيرياً”.
وهكذا نجد في “جوج رواح” صورة مركبة وغنية ومتنوعة عن شريحة من المجتمع المغربي، حيث تتموقع القصة ضمن فئات مدينية تعرف استمرار تواجد وتساكن ممارسات حداثية مع طقوس وعادات ما قبل حداثية.
اشكال تنظيم العرس بين وجهتي نظر مختلفتين، العروسين الشابين من جهة ووجهة نظر أم العروس التي تسعى لتنظيم عرسا في مستوى التقاليد.
وهنا أود التوقف عند فكرة صائبة للسيناريو وهي انتقاده لهذه المسلكيات من “الداخل” أي من صلب تطور الاحداث ومن اختيارات واعية للشخوص باستحضار بعد يساهم في رسم ملامح مفارقات المجتمع المغربي المتعدد وهي في لجوء الشابين لاكتشاف تقني اكتسابا للمال ومن أجل تجاوز انسداد افق انجاز الحفل.
نتقل بالفيلم من كوميدية واقعية اجتماعية الى مستوى “فنتاستيكي”
والفكرة الجميلة هي أن توظيف هذه التجربة التقنية – العلمية سيعرف عطبا سيشكل “انفجارا” في سيرورة حياة المجموعة وينتقل بالفيلم من كوميدية واقعية اجتماعية الى مستوى “فنتاستيكي”.
وحضور العطب هنا يمد الفيلم بشكل ضمني ببعد “فلسفي” جعلني أربط بين سيناريو الفيلم وطروحات السوسيولوجي والفيلسوف الفرنسي بول فيريليو (Paul Virilio)، وخاصة مفهوم “الحادث الشامل” ((L’accident intégral.
هذا الربط ينقل النقاش حول الفيلم من مجرد “كوميديا تبادل أدوار” إلى نقد فلسفي للحداثة والتقنية.
في فلسفة فيريليو يحضر العطب كمبدأ وجودي. فهو يرى أن اختراع “القطار” كان هو نفسه اختراعاً لـ “خروج القطار عن السكة”. في فيلم “جوج رواح”، نجد تلازم الحل/ الاختراع والحادث.
فالسعي وراء الجائزة المالية عبر “التقنية العلمية” حمل في طياته بذور العطب. هنا الحادث ليس مادياً فقط (انفجار أو عطل)، بل هو حادث «شامل”، “وجودي” أدى إلى خلط الهويات.
التقنية التي كان من المفترض أن تحرر “جعفر وفنيدة” مادياً، أصبحت هي السجن الذي حبس أرواحهما في أجساد غريبة. ونجاح الفيلم أنه جعل من العطب التقني ليس مجرد عقدة سينمائية بل هو أداة تعرية.
فلولا هذا العطب، لما اضطر “جعفر” لممارسة دور الأنثى في مجتمع لا يرحم، ولما اضطرت “فنيدة” لمواجهة العالم بخشونة الرجل.
الحادث التقني هنا هو الذي “فضح” هشاشة القوانين الاجتماعية.
وسينمائيا اشتغل أكعبون على توظيف المونتاج لخدمة هذا “العطب” ويتجلى ذلك في سرعة الانتقال بين وعي الشخصية وفعل الجسد.
نرى لقطات سريعة تعكس ارتباك الشخصيات أمام الحادث، مما يحول الفشل التقني إلى نجاح كوميدي صارخ.
النجاح الاخر على مستوى السيناريو (عادل أبا التراب ونبيل المنصوري) الذي جعل من الثنائي (فنيدة وجعفر) “مختبر” الحداثة.
الحادث التقني نقل الصراع من “خارجي” (البحث عن المال) إلى “داخلي” (البحث عن الذات داخل جسد الآخر).
والمخرج علاء أكعبون، عبر إدارة الممثلين، استطاع تجسيد هذا “العطب” حركياً؛ فالممثل يؤدي دوراً “معطوباً” اجتماعياً، حيث لا تتطابق الإشارة (الجسد) مع المدلول (الروح)، وهو جوهر السخرية التي ينشدها الفيلم.
الذكاء في السيناريو يكمن في إقحام “العِلم” و”التقنية الحديثة” في سياق مغربي شعبي.
هذا التصادم يخلق نوعاً من “الكوميديا السوداء”؛ فالمجتمع الذي لا يزال يناقش قضايا تقليدية، يجد نفسه فجأة أمام “حادث شامل” تكنولوجي يقلب مفاهيم الرجولة والأنوثة رأساً على عقب.
أن “العطب” في الفيلم لم يكن نهاية القصة، بل كان هو “البداية الحقيقية” لمعرفة الشخصيات لبعضها البعض.
التقنية التي “عطّلت” الأجساد هي التي “أصلحت” العلاقة الإنسانية بين جعفر وفنيدة عبر التماهي الكامل.
ويأتي تتويج كل ذلك في النهاية المركبة والتي صيغت بشكل تفاعلي (حيث يتم التوجه للمشاهد مباشرة بكسر الجدار الرابع).
نهاية الفيلم لا تكتفي بـ «خلاص” الأبطال، بل تعمم “العطب” على الجماعة (المدعوين).
هنا تبرز السخرية الاجتماعية في أقصى تجلياتها. فالتحول الشامل وانتقال الهويات لجميع الحاضرين يحول “المجتمع” المصغر داخل الحفل إلى “مختبر مشوه”، مما يعمق الفوضى ويجعل من “الخلاص الفردي” لجعفر وفنيدة مجرد وهم وسط محيط منهار هوياتياً.
لا ينتهي “جوج رواح” بنهاية سعيدة كلاسيكية، بل ينتهي بانتصار “العطب” على “لنظام”.
إن استعادة جعفر وفنيدة لذاتيهما مقابل ضياع هوية الجماعة، هو تجسيد سينمائي بارع لـ ‘الحادث الشامل’ الذي بشر به فيريليو.
هنا، تصبح الكوميديا وسيلة لتمرير خطاب تشاؤمي حول تقنيةٍ نلهث خلفها لترميم واقعنا المادي، فإذا بها تقتلعنا من جذورنا الهوياتية، وتتركنا في ميزأونسين فوضوي، حيث الجميع يتكلم بلسان الجميع، ولا أحد يعرف حقاً من يكون.