الرئسيةسياسة

الحكومة والنقابات.. صراع الأرقام والواقع

عاد ملف الحوار الاجتماعي إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، بعدما أعلنت الحكومة عن حصيلة ما وصفته بـ”النتائج غير المسبوقة”، مؤكدة أن ملايين الأجراء استفادوا من إجراءات جديدة شملت تحسين الأجور، وتقليص ساعات العمل، وتسوية عدد من الملفات المهنية العالقة.

غير أن هذا الخطاب الرسمي لا يمنع استمرار التساؤلات داخل الأوساط النقابية والاجتماعية حول مدى واقعية هذه المكاسب، وما إذا كانت تعكس إصلاحا حقيقيا لمنظومة الشغل، أم مجرد تدبير مرحلي لاحتواء الاحتقان الاجتماعي.

الحكومة تتحدث عن أرقام كبيرة

أكدت الحكومة أن كلفة الحوار الاجتماعي بلغت مستويات مرتفعة، مع توقعات بتجاوز عشرات المليارات من الدراهم خلال السنة المقبلة، معتبرة أن هذا المسار ساهم في تفادي آلاف الإضرابات التي كانت ستؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني ومناخ الاستثمار.

كما تم الإعلان عن تعديلات مهمة في بعض القطاعات، من بينها تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص من 12 ساعة إلى 8 ساعات، وهو إجراء اعتبرته الحكومة خطوة اجتماعية مهمة تستجيب لمطالب طال انتظارها.

النقابات تطالب بما هو أعمق

في المقابل، ترى العديد من التنظيمات النقابية أن الحوار الاجتماعي لا يجب أن يُختزل في الأرقام أو في بعض الإجراءات الجزئية، بل ينبغي أن يشمل إصلاحا شاملا لمدونة الشغل، وضمان العدالة الأجرية، وتحسين ظروف العمل، واحترام الحريات النقابية.

وتعتبر هذه الأطراف أن بعض القرارات، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية أمام حجم التحديات التي تواجه الطبقة العاملة، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية.

بين التهدئة والإصلاح

يرى مراقبون أن الحكومة نجحت نسبيا في امتصاص جزء من التوتر الاجتماعي، خصوصا بعد سنوات من الاحتقان المرتبط بالغلاء والاحتجاجات القطاعية، لكن النجاح الحقيقي يبقى رهينا بمدى تنفيذ الالتزامات المعلنة على أرض الواقع.

فالوعود الاجتماعية، مهما كانت قوية، تفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى أثر ملموس داخل حياة المواطنين اليومية، خصوصا بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة.

الشغيلة تنتظر أكثر من التصريحات

الشارع الاجتماعي اليوم لا ينتظر فقط بلاغات مطمئنة أو أرقاما رسمية، بل يبحث عن تغيير فعلي يشعر به الموظف والعامل والأجير في نهاية كل شهر.

وبين خطاب الإنجاز ومطالب الواقع، يظل الحوار الاجتماعي اختبارا سياسيا حقيقيا للحكومة، لأن الاستقرار الاجتماعي لا يُبنى بالتصريحات وحدها، بل بالثقة والعدالة والإنصاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى