
نقابات نقل البضائع تتهم الحكومة بخدمة لوبيات المحروقات
يبدو أن الهدوء الذي طبع علاقة الحكومة بمهنيي النقل الطرقي للبضائع خلال الأشهر الماضية لم يدم طويلاً، بعدما أعلنت تنسيقية النقابات الوطنية لقطاع النقل الطرقي للبضائع رفع منسوب التصعيد، ملوحة بخوض إضراب وطني قد يشل أحد أكثر القطاعات حيوية في الاقتصاد المغربي..
ويأتي هذا التصعيد عقب ما وصفته النقابات بـ”إخلال الحكومة بالتزاماتها”، بعد تأخر صرف دفعات الدعم المخصصة للمهنيين، رغم استمرار أسعار الغازوال عند مستويات اعتبرت الحكومة نفسها سابقاً أنها تستوجب استمرار الدعم.
وفي بيان شديد اللهجة، أكدت التنسيقية أن الحكومة لم تصرف إلى حدود اليوم دفعتي الدعم الخاصتين بشهر يونيو، ولا الدفعة الأولى الخاصة بشهر يوليوز 2026، رغم أن آلية الدعم الاستثنائية كانت مرتبطة ببقاء سعر الغازوال فوق عتبة 12 درهماً للتر، وهو الشرط الذي لا يزال قائماً بحسب النقابات.
قطاع يحمل الاقتصاد… لكنه يواجه الاختناق
يمثل النقل الطرقي للبضائع العمود الفقري لسلاسل التوريد بالمغرب، إذ يتم عبره نقل ما يزيد على 90% من السلع والبضائع المتداولة داخل التراب الوطني، وفق معطيات وزارة النقل واللوجستيك، كما يضم القطاع عشرات الآلاف من المقاولات، أغلبها صغيرة ومتوسطة، ويوفر بشكل مباشر وغير مباشر مئات آلاف مناصب الشغل.
غير أن النقابات تؤكد أن استمرار تأخر الدعم يضع هذه المقاولات أمام أزمة سيولة خانقة، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف التشغيل، وعلى رأسها المحروقات التي تشكل ما بين 35 و45% من الكلفة الإجمالية للنقل، فضلاً عن ارتفاع أسعار قطع الغيار والإطارات والتأمين والصيانة.
وترى التنسيقية أن استمرار هذا الوضع قد يدفع العديد من الشركات الصغيرة إلى الإفلاس أو التوقف النهائي عن النشاط، بما يحمله ذلك من تداعيات اجتماعية على آلاف الأسر التي تعتمد على هذا القطاع كمصدر رزق.
اتهامات بانحياز حكومي… وأرباح قياسية لشركات المحروقات
ولم يقتصر البيان على المطالبة بصرف الدعم، بل وجه اتهامات سياسية واقتصادية مباشرة للحكومة، متهماً إياها بالانحياز لما وصفه بـ”لوبيات المحروقات“، عبر ترك أسعار الوقود تخضع لمنطق السوق دون اتخاذ إجراءات تحد من هوامش الربح المرتفعة التي أثارت جدلاً واسعاً منذ تحرير أسعار المحروقات سنة 2015.
وتأتي هذه الاتهامات في سياق تقارير رسمية سابقة، أبرزها تقرير مجلس المنافسة، الذي سجل وجود اختلالات في سوق توزيع المحروقات، وأشار إلى تحقيق الشركات أرباحاً إضافية بمليارات الدراهم خلال فترات ارتفاع الأسعار، وهو ما غذّى مطالب متكررة بإعادة تنظيم السوق وتعزيز المنافسة والشفافية.
وترى النقابات أن الحكومة، بدل معالجة جذور الأزمة، فضلت الاعتماد على دعم ظرفي ومتقطع، أصبح بدوره محل تأخير وعدم انتظام، مما يفقده فعاليته ويزيد حالة الاحتقان داخل القطاع.
غلاء النقل… فاتورة يدفعها المواطن أيضاً
ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود المهنيين، إذ تؤكد التنسيقية أن ارتفاع تكلفة النقل ينعكس مباشرة على أسعار مختلف المواد الاستهلاكية، من المنتجات الغذائية إلى مواد البناء والسلع الصناعية، باعتبار أن كلفة نقل البضائع تدخل في احتساب السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك.
وتعزز بيانات المندوبية السامية للتخطيط هذا الطرح، حيث يظل بند النقل والطاقة من أبرز العوامل المؤثرة في تطور مؤشر أسعار الاستهلاك، خاصة خلال فترات ارتفاع أسعار المحروقات، ما يفاقم الضغوط على القدرة الشرائية للأسر المغربية التي تواجه أصلاً موجة تضخم وارتفاعاً في تكاليف المعيشة.
“الكازوال المهني”… مطلب قديم يعود إلى الواجهة
وفي ختام بيانها، شددت تنسيقية النقابات الوطنية لقطاع النقل الطرقي للبضائع على أن الحل الحقيقي لا يكمن في دعم استثنائي يتأخر صرفه أو يخضع لاعتبارات ظرفية، وإنما في إرساء نظام “الكازوال المهني”، باعتباره آلية دائمة معمولاً بها في عدد من الدول، تمكن المهنيين من الاستفادة من تسعيرة أو استرجاع جزئي للضريبة على الوقود، بما يضمن استقرار النشاط ويحافظ على تنافسية المقاولات.
وأكدت التنسيقية أن خيار الإضراب الوطني لا يزال مطروحاً بقوة إذا استمرت الحكومة في تجاهل مطالب المهنيين وتأخير صرف المستحقات العالقة، في مؤشر جديد على احتقان اجتماعي قد يمتد أثره من الطرقات إلى الأسواق، ويضع السلطة التنفيذية أمام اختبار جديد في تدبير واحدة من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية.




