
اليد العاملة.. أزمة صامتة تهدد أوراش البناء بالمغرب…
قبل أن ترتفع أسعار الإسمنت أو الحديد، وقبل أن تتعطل أوراش البناء بسبب التمويل أو التراخيص، برز خصم جديد يهدد واحدا من أكثر القطاعات حيوية في الاقتصاد المغربي: “ندرة اليد العاملة”.. إنها مفارقة غير مألوفة؛ فبلد لا يزال يواجه معدلات بطالة مرتفعة، يجد فيه أرباب المقاولات أنفسهم عاجزين عن العثور على عمال بناء، حتى بعد رفع الأجور إلى مستويات لم تكن مألوفة قبل سنوات، هذه الظاهرة لا تعكس أزمة تشغيل فحسب، بل تكشف تحولات عميقة في سوق الشغل، وتطرح تساؤلات حول مستقبل قطاع يشكل ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
قطاع استراتيجي يصطدم بأزمة الموارد البشرية
يشكل قطاع البناء والأشغال العمومية أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني، إذ يساهم بما يقارب “6% من الناتج الداخلي الخام، كما يوفر مئات الآلاف من فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، ويرتبط بعشرات الأنشطة الاقتصادية، من صناعة مواد البناء إلى النقل والخدمات والهندسة.. كما يعد القطاع محركا رئيسيا للاستثمار، خصوصا مع الأوراش الكبرى التي أطلقتها المملكة استعدادا لاحتضان كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، إلى جانب مشاريع البنيات التحتية والإسكان وإعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز.
غير أن هذه الدينامية الاستثمارية تصطدم اليوم بعقبة غير متوقعة، تتمثل في الخصاص المتزايد في اليد العاملة، وهو ما يؤكده عدد من المنعشين العقاريين والمقاولين الذين أصبحوا يواجهون صعوبة متزايدة في استقطاب العمال المؤهلين لإنجاز المشاريع داخل الآجال المحددة.
أجور ترتفع… لكن العمال يختفون
بحسب مهنيين في القطاع، فإن المشكلة لم تعد مرتبطة بمستوى الأجور كما كان في السابق، إذ ارتفعت تكلفة اليد العاملة بشكل ملحوظ، وأصبح الأجر اليومي للعامل قد يصل إلى 300 درهم، ومع ذلك يبقى العثور على عمال مغاربة مستعدين للعمل في أوراش البناء مهمة شاقة.
و يعكس هذا التحول تغيرا في توجهات سوق الشغل، حيث بات عدد متزايد من الشباب يعزف عن المهن اليدوية الشاقة، مفضلا العمل في قطاعات الخدمات أو التجارة أو الاقتصاد الرقمي، أو السعي إلى الهجرة نحو الخارج بحثا عن فرص أفضل من حيث الدخل وظروف العمل والاستقرار المهني.
أزمة تتجاوز البناء… وتمس الاقتصاد بأكمله
لا تقتصر تداعيات هذا الخصاص على المقاولات العقارية وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني ككل، فكل تأخر في إنجاز المشاريع السكنية أو البنيات التحتية يعني ارتفاع تكاليف الإنجاز، وتأجيل تسليم الاستثمارات، وزيادة الضغط على أسعار العقار، فضلا عن احتمال تأثير ذلك على وتيرة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية التي تعول عليها الدولة لتعزيز النمو وجذب الاستثمارات.
وتشير معطيات رسمية إلى أن قطاع البناء يعد من أكثر القطاعات تشغيلا بالمغرب، ما يجعل أي اختلال في سوق العمل داخله ينعكس مباشرة على الدورة الاقتصادية وسلاسل التوريد المرتبطة به.
هل أصبحت المشكلة في الأجور… أم في نموذج التشغيل؟
تكشف هذه الأزمة أن سوق الشغل المغربي يشهد تحولا هيكليا يتجاوز منطق العرض والطلب، فرفع الأجور وحده لم يعد كافيا لاستقطاب اليد العاملة، في ظل غياب التكوين المهني المتخصص، وصعوبة ظروف العمل، وضعف جاذبية المهن الحرفية لدى الأجيال الجديدة.
وأمام الأوراش التنموية الكبرى التي أطلقها المغرب، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة صياغة سياسة وطنية لتأهيل الكفاءات في قطاع البناء، وتحسين ظروف العمل، وربط التكوين المهني بالحاجيات الحقيقية للمقاولات، فالتحدي لم يعد يتمثل في تشييد العمارات والطرق فقط، بل في توفير الإنسان القادر على بنائها، لأن أي نموذج تنموي، مهما بلغت طموحاته، يظل رهينا بوجود رأسمال بشري مؤهل يستطيع تحويل المخططات إلى واقع.





