اقتصادالرئسية

مفتشية المالية: افتحاص صفقات بمليارات الدراهم

مفتشية المالية تقتحم ملفاً يهدد نزاهة الطلبية العمومية

دخلت المفتشية العامة للمالية مرحلة جديدة من تشديد الرقابة على تدبير الصفقات العمومية، بعدما باشرت عمليات افتحاص موسعة استهدفت عدداً من المؤسسات والمقاولات العمومية، في خطوة تعكس تنامي القلق الرسمي من مؤشرات اختلالات يُشتبه في ارتباطها بإدراج ما يعرف بـ”شرط القرب الجغرافي” ضمن دفاتر التحملات، وهو الشرط الذي يثير جدلاً متزايداً حول مدى احترام مبادئ المنافسة وتكافؤ الفرص بين المقاولات.

وبحسب معطيات متطابقة، فقد انطلقت المرحلة الأولى من التحقيقات لتشمل سبع مؤسسات ومقاولات عمومية، إضافة إلى عدد من ملحقاتها، مع توقعات بتوسيع دائرة الافتحاص لتشمل هيئات أخرى إذا ما كشفت النتائج الأولية عن وجود ممارسات مماثلة في قطاعات مختلفة.

دفاتر التحملات تحت المجهر.. كيف يُقصى المنافسون؟

ركز مفتشو المالية على مراجعة دقيقة لمختلف الوثائق المرتبطة بالصفقات، بما في ذلك دفاتر الشروط الخاصة، وملفات طلبات العروض، ومحاضر لجان فتح الأظرفة، وتقارير تقييم العروض، بهدف الوقوف على الكيفية التي أُدرج بها شرط التواجد الفعلي داخل الجهة أو بالقرب من موقع تنفيذ المشروع.

وتسعى التحقيقات إلى تحديد ما إذا كان هذا الشرط يستند إلى مبررات تقنية ولوجستية حقيقية، أم أنه استُخدم كآلية لتقييد المنافسة وإقصاء مقاولات مؤهلة لا تتوفر فقط على مقر داخل المجال الترابي المحدد، رغم امتلاكها الإمكانيات البشرية والتقنية والمالية اللازمة لإنجاز المشاريع.

الصفقات العمومية… رافعة اقتصادية تتطلب منافسة نزيهة

تمثل الصفقات العمومية إحدى أهم أدوات الاستثمار العمومي في المغرب، إذ تشير بيانات وزارة الاقتصاد والمالية إلى أن حجم الطلب العمومي يناهز نحو 245 مليار درهم سنوياً، وهو ما يجعلها محركاً رئيسياً للنشاط الاقتصادي ومصدراً لآلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة.

وفي هذا السياق، ينص المرسوم المنظم للصفقات العمومية على احترام مبادئ حرية الولوج إلى الطلبية العمومية، والمساواة في معاملة المتنافسين، وضمان الشفافية في اختيار المتعاقدين، كما يؤكد مجلس المنافسة في عدة تقارير أن أي شروط غير مبررة تقنياً قد تؤدي إلى تقليص عدد المتنافسين ورفع كلفة المشاريع على المال العام، نتيجة غياب المنافسة الحقيقية.

أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية

ويرى متابعون أن استمرار مثل هذه الممارسات، إن ثبتت، لا ينعكس فقط على المقاولات المقصاة، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد الوطني ككل، إذ يحرم شركات من فرص الاستثمار والتوسع، ويؤثر على خلق مناصب الشغل، كما يحد من قدرة المقاولات الصغرى والمتوسطة على الولوج إلى السوق العمومية، رغم أن هذا القطاع يشكل أكثر من 95% من النسيج الاقتصادي المغربي، وفق معطيات رسمية.

سياسياً، تأتي هذه التحقيقات في سياق يتسم بتزايد المطالب بتعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة مع الارتفاع القياسي لحجم الاستثمارات العمومية المبرمجة في السنوات الأخيرة، لذلك، يُنتظر أن تحدد نتائج الافتحاص ما إذا كان شرط “القرب الجغرافي” قد استُخدم في إطار ضرورات مهنية مشروعة، أم تحول إلى وسيلة لتضييق المنافسة وتوجيه صفقات بمليارات السنتيمات نحو دائرة محدودة من المتنافسين، بما يفرض إعادة النظر في آليات إعداد دفاتر التحملات وتعزيز الرقابة على تدبير المال العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى