
لم يعد التنافس بين مكونات الأغلبية الحكومية يقتصر على التمايز في الخطاب أو التنافس حول حصيلة التدبير، بل بدأ يأخذ منحى أكثر وضوحا مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، في مشهد يعيد إلى الواجهة إحدى السمات التي طبعت الحياة السياسية المغربية لعقود، والمتمثلة في استقطاب شخصيات تكنوقراطية أو نافذة وإلحاقها بأحزاب سياسية قبيل الانتخابات، ضمن ما يعتبره كثير من المتابعين جزءا من “هندسة” المشهد الانتخابي أكثر منه تعبيرا عن دينامية حزبية طبيعية.
وليس هذا الأسلوب وليد اليوم، إذ سبق أن شهدت محطات انتخابية سابقة انتقال مسؤولين وتقنوقراط إلى أحزاب بعينها قبيل الاستحقاقات، دون أن يكون لهم مسار تنظيمي داخلها أو تدرج في هياكلها. كما أن هذا النموذج لم يقتصر على حزب دون آخر، بل عرفته أغلب الأحزاب الكبرى التي قادت الحكومات أو نافست على قيادتها.
وفي هذا السياق، يستحضر متابعون تجربة رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش نفسه، الذي التحق بحزب التجمع الوطني للأحرار في مرحلة متأخرة من مساره السياسي، قبل أن يتولى قيادته مباشرة دون مسار تنظيمي تقليدي أو انتماء حزبي سابق، في واحدة من أبرز عمليات إعادة تشكيل القيادة الحزبية خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا المناخ، يبدو أن التوتر المكتوم بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة خرج إلى العلن، بعدما استغل حزب “الحمامة” لقاءه التواصلي بمدينة الداخلة، اليوم السبت 25 يوليوز 2026، للرد بشكل غير مباشر على الخطوة التي أقدم عليها “البام” بإعلانه استقطاب أسماء وازنة إلى مكتبه السياسي، يتقدمها الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، ورئيس جهة الداخلة – وادي الذهب الخطاط ينجا.
وجاء رد عزيز أخنوش سريعا، حيث وجه انتقادات مبطنة لما وصفه بـ”الميركاتو الانتخابي”، في إشارة واضحة إلى الاستقطابات التي أعلن عنها حزب الأصالة والمعاصرة خلال انعقاد مجلسه الوطني بقصر المؤتمرات بمدينة سلا.
وقال أخنوش إن بعض الأحزاب “تلجأ في الدقائق الأخيرة إلى ملء لوائحها بأسماء جاهزة”، معتبرا أن هذا السلوك يعكس غياب العمل التنظيمي والميداني طيلة السنوات الخمس الماضية، وأن الاستعداد الحقيقي للانتخابات لا يبدأ مع اقتراب موعد الاقتراع، بل يقوم على عمل متواصل وتأطير دائم للمواطنين.
وأضاف، بنبرة حملت رسائل سياسية واضحة، قائلا بالدارجة المغربية: “حنا ماشي في ميركاتو.. اللي عندو عندو واللي ما عندوش ما عندوش”، في تصريح فُهم على نطاق واسع باعتباره ردا مباشرا على التحركات الأخيرة لحزب الأصالة والمعاصرة.
وشدد رئيس الحكومة على أن قوة التجمع الوطني للأحرار، بحسب تعبيره، لا تستند إلى استقطاب الوزراء أو الشخصيات النافذة، وإنما إلى بنيته التنظيمية وقاعدته الحزبية، معتبرا أن الحزب يشكل “مشتلة للكفاءات”، ويضم مئات الآلاف من المنخرطين وحوالي عشرة آلاف منتخب محلي.
كما أكد أن الحزب الجاد لا يقاس بعدد الأسماء التي يستقطبها قبيل الانتخابات، وإنما بقدرته على تكوين أطره وإعداد مرشحيه عبر العمل الميداني المستمر، مضيفا أن “الحزب القوي ليس قيادة أو وزراء أو شخصيات، بل مناضلوه ومنتخبوه المحليون”.
وسعى أخنوش أيضا إلى نقل النقاش من التنافس حول الأسماء إلى التنافس حول البرامج، معتبرا أن الناخبين لا يمنحون أصواتهم للأشخاص بقدر ما يبحثون عن مشروع سياسي وبرنامج قابل للتنفيذ، وحزب يثبت قدرته على تحمل المسؤولية واحترام المؤسسات والمنافسين.
واختتم رئيس الحكومة كلمته بالتأكيد على أن التجمع الوطني للأحرار، حسب قوله، لا يقدم “وعودا وهمية”، وإنما يخاطب المواطنين بما وصفها بـ”الحقائق”، معربا عن ثقته في قدرة حزبه على الاحتفاظ بصدارة المشهد السياسي والفوز بالانتخابات المقبلة.
وتفتح هذه السجالات الباب مجددا أمام نقاش قديم يتجدد مع كل محطة انتخابية، يتعلق بحدود الفاصل بين التنافس الحزبي الطبيعي وبين توظيف الشخصيات التكنوقراطية والإدارية في إعادة رسم موازين القوى السياسية، في وقت يرى فيه مراقبون أن استقطاب الأسماء الوازنة أصبح جزءا من أدوات التدافع الانتخابي، بغض النظر عن الشعارات التي ترفعها الأحزاب في انتقاد هذه الممارسة أو الدفاع عنها.





