الرئسيةسياسة

“البام” ولقجع.. حسابات المرحلة المقبلة

قبل أقل من شهرين على الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، فجر تسريب خبر انضمام فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى حزب الأصالة والمعاصرة، نقاشا سياسياً تجاوز حدود انتقال شخصية وازنة من موقع تكنوقراطي إلى العمل الحزبي، ليتحول إلى اختبار لطبيعة المنافسة الانتخابية وحدود العلاقة بين السياسة والرمزية التي راكمتها كرة القدم المغربية.

استكمال ترتيبات البام الانتخابية وتعزيز صفوفه بأسماء ذات حضور وطني

وبحسب معطيات تداولتها وسائل إعلام محلية، فإن لقاءً جمع، مطلع الشهر الجاري، بين لقجع وفاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، انتهى إلى تفاهم يقضي بالتحاقه بالحزب، مع منحه عضوية المكتب السياسي وتزكيته لخوض الانتخابات التشريعية بدائرة بركان، مسقط رأسه.

ويأتي تداول هذه المعطيات في وقت يستعد فيه الحزب لعقد دورة مجلسه الوطني، في محطة يسعى من خلالها إلى استكمال ترتيباته الانتخابية وتعزيز صفوفه بأسماء ذات حضور وطني، في سياق تنافس مبكر على قيادة المرحلة الحكومية المقبلة.

استقطاب شخصية بحجم لقجع لا يبدو مجرد خطوة لتعزيز الحضور البرلماني

وإذا تأكد هذا السيناريو، فإن استقطاب شخصية بحجم لقجع لا يبدو مجرد خطوة لتعزيز الحضور البرلماني أو ضمان مقعد انتخابي إضافي، بل يحمل رسالة سياسية مفادها أن الحزب يطمح إلى تقديم نفسه كقوة قادرة على قيادة الحكومة المقبلة.

فالمسار الذي راكمه لقجع داخل مؤسسات الدولة، وخبرته في تدبير ملفات مالية كبرى، إلى جانب الرصيد الشعبي الذي ارتبط باسمه من خلال النجاحات التي حققتها كرة القدم المغربية، يجعل حضوره يتجاوز حدود الدور البرلماني التقليدي.

غير أن هذا التطور يسلط الضوء أيضا على تحولات أعمق تشهدها الحياة الحزبية. فبدل أن تنصب المنافسة على البرامج والبدائل السياسية، يبدو أن جزءا مهما منها أصبح يدور حول استقطاب الشخصيات النافذة والأعيان وأصحاب النفوذ الانتخابي، باعتبارهم مدخلا لتعزيز الحظوظ في صناديق الاقتراع، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الأحزاب على إنتاج نخبها وقياداتها من داخلها، بدل الاعتماد على كفاءات راكمت رصيدها خارج التنظيمات الحزبية.

البوحسيني: ما يجري لا يعبر عن تجديد حقيقي للممارسة السياسية بل يمثل شكلا جديدا من إعادة إنتاج النخب المهيمنة

وفي هذا السياق، اعتبرت الأكاديمية والفاعلة الحقوقية لطيفة البوحسيني أن استقطاب لقجع، إذا تأكد، يعكس انتقال المشهد السياسي من مرحلة الاعتماد على “أصحاب الشكارة” إلى توظيف الرأسمال الرمزي الذي راكمته كرة القدم المغربية، معتبرة أن ما يجري لا يعبر عن تجديد حقيقي للممارسة السياسية، بقدر ما يمثل شكلاً جديداً من إعادة إنتاج النخب المهيمنة وتدويرها داخل الحقل السياسي.

وتتقاطع هذه القراءة مع ما ذهب إليه الكاتب والوزير الأسبق محمد الأشعري، الذي وسع دائرة النقاش من الأشخاص إلى طبيعة العملية الانتخابية نفسها.

فالأشعري يرى أن المغرب لا يبدو وكأنه يعيش أجواء مرحلة ما قبل الانتخابات، في ظل غياب الحيوية السياسية والإعلامية التي تسبق عادة الاستحقاقات الكبرى، وضعف النقاش العمومي حول البرامج والبدائل ورهانات المرحلة المقبلة.

الأشعري: غياب الصلة بين الانتخابات والسياسات العمومية

ويعتبر الأشعري أن الأزمة لا تكمن فقط في ضعف المشاركة أو عزوف الناخبين، وإنما في غياب الصلة بين الانتخابات والسياسات العمومية، بما يجعل العملية الانتخابية تفقد جزءا من مضمونها السياسي.

كما يتساءل عن غياب نقاش حقيقي لتقييم حصيلة المسؤولين المنتهية ولايتهم، أو تحديد أولويات التعاقد السياسي الجديد الذي يفترض أن تفرزه صناديق الاقتراع، في وقت يطغى فيه الحديث عن الأسماء والاستقطابات على النقاش المرتبط بالمشاريع والبرامج.

في المقابل، تعامل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران، مع القضية من زاوية مختلفة، معتبرا أن انضمام لقجع إلى أي حزب يظل حقاً دستوريا لأي مواطن، وأن انتماءه المحتمل إلى حزب الأصالة والمعاصرة لا يثير استغرابه بالنظر إلى علاقاته السابقة بالحزب.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الحسم في رئاسة الحكومة والأغلبية البرلمانية يجب أن يبقى رهيناً بإرادة الناخبين ونتائج صناديق الاقتراع.

 الانتخابات وظيفتها الأساسية أنها الآلية التي تمنح من خلالها المواطن الشرعية لمن يحكم باسمه

وفي السياق نفسه، سبق لحزب العدالة والتنمية أن انتقد ما وصفه بمحاولات الترويج المبكر لأسماء بعينها لقيادة الحكومة المقبلة، معتبراً أن مثل هذه الممارسات قد تؤثر في ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية وتدفع إلى مزيد من العزوف السياسي.

وفي المحصلة، يكشف الجدل الذي أثاره اسم فوزي لقجع عن إشكال يتجاوز مستقبله الحزبي، ليطرح أسئلة أعمق حول طبيعة المنافسة السياسية في المغرب.

فبين من يرى في استقطاب الكفاءات مدخلا لتجديد النخب وربط السياسة بمنطق الإنجاز، ومن يعتبره دليلا على عجز الأحزاب عن إنتاج قياداتها من داخلها، يبقى الرهان الحقيقي هو قدرة انتخابات 2026 على إعادة النقاش إلى جوهره: التنافس بين المشاريع والبرامج، لا بين الأسماء والرموز، حتى تستعيد الانتخابات وظيفتها الأساسية باعتبارها الآلية التي يمنح من خلالها المواطن الشرعية لمن يحكم باسمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى