
لقجع… حين تنتهي السياسة عن إنتاج البدائل
بقلم: أحمد دابا
لم يكن إعلان التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة مجرد خبر حزبي عابر، فمن تابع أشغال المجلس الوطني للحزب المنعقد بسلا، لا بد أنه لاحظ أن الحدث الحقيقي لم يكن انعقاد المجلس، بل حضور الرجل نفسه، فقد تحول الوافد الجديد إلى مركز الثقل، واستأثر بالاهتمام الإعلامي والسياسي، حتى بدا وكأن الحزب بأكمله يحتفي بشخص أكثر مما يحتفي بخياراته أو مشروعهن بدا وكأن الحزب كله يلتحق بالقجع…
هذه ليست قصة فوزي لقجع وحده، بل قصة السياسة المغربية منذ زمان.
كلما اقترب نموذج سياسي من استنفاد رصيده، لا يجري البحث عن مراجعة للسياسات التي أنتجت الأزمة، ولا عن إعادة بناء العلاقة مع المجتمع، بل يبدأ البحث عن شخصية جديدة يمكن أن تحمل آمالاً جديدة دون أن يتغير شيء في جوهر المنظومة، يتغير الوجوه، أما قواعد اللعبة فتبقى كما هي.
بهذا المعنى، لا يبدو تقديم لقجع سوى حلقة جديدة في مسلسل قديم، يقوم على الاعتقاد بأن الرأي العام يمكن أن يمنح ثقته مجددا إذا تغيرت الواجهة، حتى وإن بقيت البنية التي أنتجت الإخفاقات على حالها.
لكن المفارقة هنا أكثر تعقيدا
فالرجل الذي يُقدم اليوم، في نظر البعض، باعتباره قادرا على قيادة مرحلة جديدة، ليس وافدا من خارج مؤسسات الدولة، ولا شخصية معارضة للسياسات العمومية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، بالعكس، هو أحد أبرز المسؤولين الذين تولوا مواقع تنفيذية مؤثرة، وكان جزءا من منظومة اتخاذ القرار في ملفات مالية واستراتيجية كبرى.
لذلك يصعب، سياسيا ومنطقيا، الفصل بين الرجل وبين حصيلة المرحلة نفسها، وإذا كانت الحكومة الحالية تواجه انتقادات متزايدة بسبب أدائها الاقتصادي والاجتماعي، فإن تقديم أحد أبرز مسؤوليها باعتباره بداية جديدة يبدو أقرب إلى إعادة تسويق التجربة نفسها بوجوه مختلفة، لا إلى مراجعتها.
غير أن التركيز على الأشخاص قد يحجب السؤال الأهم.
لماذا يتكرر هذا السيناريو أصلاً؟
الجواب، في تقديري، لا يرتبط بالأحزاب بقدر ما يرتبط بطبيعة النظام السياسي وآليات اشتغاله، ففي الديمقراطيات التي تجعل الانتخابات المصدر الحقيقي للسلطة، يخشى السياسيون الناخب لأن مستقبله السياسي يتوقف على صندوق الاقتراع.
أما عندما تصبح مراكز القوة الحقيقية خارج المجال الانتخابي، فإن الانتخابات تفقد تدريجيا قدرتها على الحسم، وتتحول إلى محطة تمنح الشرعية الشكلية أكثر مما تمنح السلطة الفعلية.
عندها يصبح من الطبيعي أن يتعامل بعض الفاعلين السياسيين مع الإرادة الشعبية باعتبارها عنصرا ثانويا في معادلة الوصول إلى المسؤولية، فالولاء، في نهاية المطاف، يتجه إلى الجهة التي تفتح أبواب النفوذ، لا إلى الناخب الذي يُفترض أنه صاحب السيادة.
وهنا يكمن العطب البنيوي
فالانتخابات، مهما بلغت نسبة المشاركة فيها، لا تستطيع وحدها أن تضمن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إذا كانت موازين السلطة تُحسم في فضاءات أخرى، ولهذا تبدو المنافسة السياسية في كثير من الأحيان أقرب إلى إعادة توزيع للأدوار داخل المنظومة نفسها، منها إلى تنافس بين مشاريع مجتمعية متباينة.
من هذه الزاوية، لا يمثل انتقال فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة تحولا سياسيا كبيرا بقدر ما يمثل استمرارا لمنطق قديم: البحث عن شرعية جديدة دون تغيير قواعد إنتاج السلطة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الرأي العام ليس ما إذا كان لقجع سيقود “البام” إلى نتائج انتخابية أفضل، ولا ما إذا كان سيكون المرشح الأوفر حظا لقيادة المرحلة المقبلة.
السؤال الحقيقي هو: لماذا أصبحت السياسة المغربية، في كل مرة، تبحث عن منقذ جديد بدل أن تبحث عن عقد سياسي جديد؟
فالبلدان لا تتغير عندما تستبدل الوجوه، بل عندما تتغير القواعد التي تجعل المواطن هو مصدر السلطة فعلا، لا نظريا.
أما إذا بقيت قواعد اللعبة على حالها، فإن كل وجه جديد لن يكون سوى نسخة محدثة من التجربة نفسها، مهما بدا مختلفا في البداية.
وربما لهذا السبب، فإن الحدث ليس التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، بل ما يكشفه هذا الالتحاق عن أزمة سياسة لم تعد تنتج البدائل، بل تعيد إنتاج نفسها، مرة بعد أخرى، بأسماء جديدة.






