اقتصادالرئسية

تعقيدات المساطر تؤخر الاستثمار بالمملكة


 أرقام قياسية تخفي بيروقراطية تبتلع الاستثمار وتُرهق المقاولات

تواصل الدولة المغربية الرهان على الطلبية العمومية باعتبارها إحدى أهم أدوات تحريك الاقتصاد الوطني ودعم الاستثمار، خاصة في ظل الأوراش الكبرى المرتبطة بالبنيات التحتية، والتعليم، والماء، والاستعدادات لكأس العالم 2030..

غير أن معطيات سنة 2025 الصادرة عن مديرية المنشآت العامة والخوصصة التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية تكشف مفارقة تستحق التوقف؛ فارتفاع عدد الصفقات لا يعني بالضرورة تسريع وتيرة التنمية، إذ لا تزال المساطر الإدارية الطويلة تفرض إيقاعها على إنجاز المشاريع وتثير تساؤلات حول نجاعة الإنفاق العمومي.

فقد شهدت سنة 2025 فتح 13 ألفاً و373 طلب عروض، انتهت بإرساء 13 ألفاً و604 صفقات في مختلف القطاعات، في وقت تؤكد فيه وزارة الاقتصاد والمالية أن الطلبية العمومية تمثل ما يقارب 20% من الناتج الداخلي الخام، ما يجعلها إحدى أهم القنوات المحركة للاستثمار وخلق فرص الشغل.

32 ألف جلسة… حين تتحول الإجراءات إلى عبء

يتمثل المعطى الأكثر لفتاً للانتباه في عقد 32 ألفاً و568 جلسة لفتح الأظرفة ودراسة الملفات وتحليل العروض والبت فيها، أي بمعدل يفوق 2.4 جلسة لكل طلب عروض.

ولا شك أن تشديد المراقبة القبلية يهدف إلى حماية المال العام وتعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين، غير أن تضخم عدد الجلسات يعكس في المقابل استمرار تعقيد المساطر الإدارية، وهو ما ينعكس مباشرة على آجال تنفيذ المشاريع، ويزيد الأعباء المالية على المقاولات، خصوصاً الصغرى والمتوسطة التي تعتمد على سرعة دوران السيولة واستقرار الطلبيات العمومية لضمان استمرارية نشاطها.

ارتفاع محدود في الطلبات… وقفزة كبيرة في التعقيدات

وتبرز الأرقام مفارقة أخرى؛ إذ لم يرتفع عدد طلبات العروض المفتوحة سوى بنسبة 0.45% مقارنة بسنة 2024، بينما قفز عدد الجلسات بأكثر من 36%، وارتفع عدد الملفات التي تم البت فيها بنسبة 19%.

وتوحي هذه المؤشرات بأن وتيرة الإجراءات الإدارية تنمو بوتيرة أسرع من نمو حجم المشاريع نفسها، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى نجاح جهود تبسيط ورقمنة الصفقات العمومية في تقليص آجال المعالجة، خاصة وأن أي تأخير في إسناد الصفقات أو إطلاق الأوراش ينعكس على الاستثمار، ويؤخر خلق فرص الشغل، ويرفع كلفة المشاريع في ظل تقلب أسعار المواد الأولية والخدمات.

قطاعات استراتيجية… والمواطن ينتظر النتائج

واستحوذت قطاعات التربية والتعليم والتكوين والتشغيل على النصيب الأكبر من طلبات العروض، إلى جانب الماء والفلاحة والمياه والغابات والصيد البحري، فضلاً عن الإسكان والتعمير والسياحة والتنمية الترابية، وهي قطاعات تمس الحياة اليومية للمغاربة وتشكل ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي.

غير أن نجاح هذه الصفقات لا يقاس بعددها، بل بمدى انعكاسها على جودة الخدمات العمومية، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

الرهان الحقيقي… إدارة تُسرّع الاستثمار لا تُعطله

تكشف أرقام سنة 2025 أن المغرب يواصل تعبئة استثمارات عمومية ضخمة، لكن التحدي لم يعد مرتبطاً بحجم الإنفاق أو عدد الصفقات، بل بقدرة الإدارة على تحويلها بسرعة إلى مشاريع منجزة تحقق قيمة مضافة للاقتصاد، فكل يوم يختصر من آجال المساطر يعني استثماراً أسرع، وفرص شغل أكثر، وثقة أكبر لدى المقاولات والمستثمرين.. لذلك يبقى الإصلاح الحقيقي رهيناً بإدارة تجمع بين الرقابة الصارمة والسرعة في اتخاذ القرار، حتى يصبح المال العام رافعة للتنمية، لا رهينة لتعقيدات الإجراءات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى