
موسم سياسي ينعش الاقتصاد مؤقتاً
تحرير: جيهان مشكور
لم تعد الانتخابات في المغرب مجرد محطة سياسية لحسم موازين القوى بين الأحزاب، بل تحولت إلى مناسبة اقتصادية استثنائية تعيد الحياة مؤقتاً إلى قطاعات أنهكها ضعف الطلب وضعف الاستثمار، فمع كل استحقاق انتخابي، تنتعش المطابع وشركات الإشهار ووكالات التواصل ومؤسسات النقل وكراء التجهيزات، في مشهد يطرح مفارقة لافتة؛ فإذا كانت بضعة أسابيع من “الحملات” الانتخابية قادرة على ضخ ملايين الدراهم في الدورة الاقتصادية، فلماذا تعجز السياسات العمومية عن تحقيق الأثر نفسه طوال السنة؟
اقتصاد موسمي يعوض غياب الدينامية
تبدأ دورة اقتصادية موازية تتجاوز مقرات الأحزاب لتشمل عشرات الأنشطة المرتبطة بالحملات منذ الإعلان عن موعد الانتخابات، فالطلب يرتفع على خدمات الطباعة والتصميم والإشهار، وتتضاعف الحجوزات الخاصة بالمنصات ومعدات الصوت والإضاءة، بينما تستفيد شركات الإنتاج السمعي البصري ووكالات التواصل الرقمي ومؤسسات النقل وكراء السيارات والفنادق والمطاعم من حركة غير اعتيادية.
وتكتسي هذه الدينامية أهمية خاصة بالنظر إلى أن أكثر من 99% من النسيج المقاولاتي المغربي يتكون من المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، وفق معطيات وزارة الصناعة والتجارة، وهي الفئة الأكثر تأثراً بتراجع الطلب خلال السنوات الأخيرة، والأكثر استفادة من الإنفاق الانتخابي الذي ينعش خزائنها لفترة وجيزة قبل أن تعود إلى مواجهة واقع السوق.
بطالة مرتفعة… والانتخابات تتحول إلى فرصة عمل مؤقتة
في ذات السياق، يعد الجانب الاجتماعي للمشهد أكثر دلالة.. حيث توفر الحملات الانتخابية، آلاف فرص العمل الظرفية في توزيع المنشورات، وتعليق اللافتات، والحراسة، والتنظيم، والنقل والدعم اللوجستيكي، وهو ما يجعلها مورداً مؤقتاً للدخل بالنسبة إلى عدد كبير من الشباب.
غير أن هذا الانتعاش يعكس، في الوقت نفسه، عمق أزمة التشغيل فالمندوبية السامية للتخطيط سجلت معدل بطالة بلغ 13.3% خلال سنة 2024، بينما تجاوزت بطالة الشباب 35% في بعض الفئات العمرية، كما أن الاقتصاد الوطني لا ينجح في إحداث ما يكفي من مناصب الشغل لاستيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل، وهكذا تتحول الانتخابات إلى “موسم شغل” عوض أن تكون فرص العمل ثمرة استثمارات منتجة وسياسات اقتصادية فعالة.
المال السياسي… رواج اقتصادي وأسئلة حول الحكامة
هذا ولا يقتصر الإنفاق على المرشحين، بل يشمل أيضاً الدعم العمومي الذي تخصصه الدولة للأحزاب للمساهمة في تمويل الحملات. غير أن “تقارير المجلس الأعلى للحسابات” دأبت على تسجيل ملاحظات تتعلق بتبرير النفقات، والتصريح بالمصاريف، وإرجاع مبالغ غير مبررة إلى الخزينة، ما يعيد إلى الواجهة أسئلة الحكامة والرقابة على المال العام.
وفي الوقت الذي يُفترض أن يساهم هذا الإنفاق في ترسيخ التعددية السياسية، فإنه يكشف أيضاً عن هشاشة اقتصاد يحتاج إلى مواسم انتخابية لتحريك الطلب، في حين يفترض أن تقوم هذه المهمة على الاستثمار المنتج، والمقاولة، والصناعة، والابتكار.
مع انتهاء الانتخابات… والركود يعود
تكشف هذه المفارقة أن الأزمة ليست في غياب الأموال، بل في طريقة تدويرها داخل الاقتصاد، فإذا كانت أسابيع قليلة من الحملات قادرة على إنعاش قطاعات واسعة، فإن ذلك يعكس محدودية السياسات الاقتصادية في خلق دورة إنتاج واستهلاك مستدامة، لذلك، يبقى الرهان الحقيقي ليس في حجم الإنفاق الانتخابي، بل في قدرة الحكومات على بناء نموذج تنموي يجعل الأسواق تتحرك بفعل الإنتاج والاستثمار وخلق القيمة المضافة، لا لأن البلاد دخلت موسماً انتخابياً جديداً، فالاقتصاد الذي ينتعش مع تعليق اللافتات، ثم يعود إلى الركود بمجرد إزالتها، هو اقتصاد ما زال ينتظر إصلاحات أعمق من مجرد تغيير الوجوه داخل المؤسسات المنتخبة.





