الرئسيةسياسة

هل يدخل «الكتاب» الحكومة على حساب البديل؟

يضع حزب التقدم والاشتراكية، غدا الثلاثاء 6 أكتوبر، مشاركته المحتملة في الحكومة المقبلة أمام أعلى هيئة تقريرية للحزب، من خلال دورة استثنائية للجنة المركزية، في وقت دخلت فيه المشاورات التي تقودها رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة أكثر تقدما، خصوصا بعد اللقاء الذي جمعها، اليوم الاثنين بالرباط، بالأمين العام للحزب محمد نبيل بنعبد الله.

وتأتي هذه الدورة في ظل مؤشرات على اقتراب «الكتاب» من حسم موقعه السياسي في المرحلة المقبلة، بعدما ظل موقف الحزب مفتوحا بين الاستمرار في المعارضة أو الانضمام إلى الأغلبية الحكومية.

اللجنة المركزية أمام قرار المشاركة

وتنعقد الدورة الاستثنائية للجنة المركزية بالمقر المركزي للحزب بالرباط، ويتضمن جدول أعمالها تقديم ومناقشة والمصادقة على التقرير السياسي الذي سيعرضه بنعبد الله باسم المكتب السياسي، إلى جانب تقييم نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي، وما أفرزته من تداعيات سياسية وتنظيمية.

ويكتسي الاجتماع أهمية خاصة، باعتباره الهيئة التي يفترض أن تمنح الغطاء السياسي لموقف الحزب النهائي من المشاورات الحكومية، في ظل انتقال النقاش من مرحلة استطلاع المواقف إلى مرحلة تحديد شكل المشاركة وشروطها.

لقاء المنصوري وبنعبد الله

وتزامن ذلك مع لقاء جمع، اليوم الاثنين، فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد نبيل بنعبد الله، في إطار المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة.

ووفق معطيات توصلت بها «دابا بريس» من مصادر قريبة من مراكز القرار، فقد ساد اللقاء جو وصفته المصادر بأنه «إيجابي جدا»، مع وجود تقارب بشأن عدد من القضايا المرتبطة بالمشاركة الحكومية.

وبحسب المعطيات نفسها، عرض بنعبد الله خلال اللقاء مضامين البرنامج الذي يقترحه الحزب، فيما أبدت المنصوري تجاوبا مع عدد من الأفكار والمقترحات التي قدمها التقدم والاشتراكية.

الديمقراطية والكفاءة في قلب التفاوض

ولم تقتصر النقاشات، وفق المصادر ذاتها، على البرامج، إذ شدد بنعبد الله على ضرورة اعتماد منطق ديمقراطي في تشكيل الحكومة، وعلى جعل الكفاءة معيارا أساسيا في اختيار المسؤولين.

كما أكد، بحسب المعطيات المتوفرة، موقف الحزب الرافض لتحويل التكنوقراط إلى بديل عن المسؤولية السياسية للأحزاب، بما يجعل النقاش حول تشكيل الحكومة مرتبطا أيضا بطبيعة الحكومة نفسها، وبحدود الدور الذي يفترض أن تضطلع به الأحزاب داخلها.

وتكشف هذه النقطة أن مفاوضات التقدم والاشتراكية لا تدور فقط حول المشاركة في الأغلبية، وإنما تشمل أيضا تصورا لطريقة تشكيل الحكومة ومعايير تدبيرها.

من المعارضة إلى الأغلبية؟

في حال انتهى الاجتماع الاستثنائي إلى تزكية المشاركة، سيكون التقدم والاشتراكية أمام انتقال سياسي من موقع المعارضة إلى موقع المشاركة في الحكومة.

وسيطرح هذا الانتقال بدوره أسئلة حول حجم الحضور الذي سيحصل عليه الحزب، وطبيعة المسؤوليات التي سيتحملها، ومدى قدرته على ترجمة البرنامج الذي قدمه إلى سياسات وقرارات داخل الحكومة.

كما سيعيد القرار رسم علاقة الحزب بالمعارضة، وباقي مكونات اليسار، خصوصا في سياق سياسي يطرح فيه أكثر من طرف الحاجة إلى إعادة بناء موازين وقوى سياسية واجتماعية قادرة على تقديم بدائل للسياسات القائمة.

ما الذي يتغير في موقع «الكتاب»؟

إلى هنا تنتهي المعطيات، ويبدأ السؤال السياسي.

فمشاركة التقدم والاشتراكية في الحكومة ليست في حد ذاتها تناقضا سياسيا، والمشاركة الحكومية تظل خيارا مشروعا لأي حزب يرى أنه قادر على التأثير من داخل المؤسسات.

لكن الإشكال الحقيقي بالنسبة إلى «الكتاب» يوجد في الفارق بين المشاركة باعتبارها وسيلة، والمشاركة عندما تتحول إلى غاية سياسية.

فالحزب لم يقدم نفسه خلال السنوات الماضية باعتباره مجرد قوة تبحث عن موقع داخل الأغلبية، بل ظل يطرح، في خطابه السياسي، الحاجة إلى إعادة بناء اليسار وإلى بلورة بديل تقدمي قادر على تغيير موازين القوة والاختيارات العمومية.

ومن هنا تبدأ المفارقة

إذا دخل التقدم والاشتراكية الحكومة من أجل فرض اختياراته الاجتماعية والديمقراطية، والحفاظ على استقلالية قراره، وتحويل المشاركة إلى أداة لتغيير السياسات، فإن المسألة تصبح رهانا سياسيا قابلا للنقاش والاختبار.

أما إذا تحولت المشاركة إلى مجرد انتقال من مقاعد المعارضة إلى مقاعد الأغلبية، فإن الحزب سيجد نفسه أمام سؤال أكثر صعوبة: كيف يمكن لحزب يريد أن يقدم نفسه جزءا من مشروع بديل تقدمي أن يبني هذا البديل من داخل حكومة يقودها تحالف سياسي آخر يتزعمه حزب يسمى البام؟

 المشاركة أم البديل؟

المسألة، في النهاية، لا تختزل في عدد الحقائب ولا في موقع الحزب داخل الحكومة، بل في الوجهة السياسية التي يريدها التقدم والاشتراكية لنفسه.

فالحزب يقف أمام مفترق واضح: إما أن يجعل من المشاركة وسيلة للحفاظ على مشروعه السياسي والدفع نحو تغيير في السياسات والاختيارات، أو أن تتحول المشاركة تدريجيا إلى إعادة تموضع داخل النظام القائم للأغلبية، على حساب طرح نفسه قوة تسعى إلى بناء بديل تقدمي.

وهنا تحديدا تكمن المفارقة التي يفترض أن تكون حاضرة في نقاش اللجنة المركزية: هل يدخل التقدم والاشتراكية الحكومة لكي يغير من داخلها، أم أن دخوله الحكومة هو الذي سيغير موقعه السياسي؟

فالمشاركة قد تمنح «الكتاب» حضورا داخل السلطة، لكنها لا تمنحه تلقائيا مشروعا بديلا. والاختبار الحقيقي لن يكون في كيفية دخوله الحكومة، بل في ما إذا كان قادرا على دخولها دون أن يفقد الوظيفة السياسية التي طالما قدم نفسه من أجلها: المساهمة في بناء بديل تقدمي، لا الاكتفاء بالمشاركة في تدبير الموجود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى