
دخلت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مرحلة أكثر حساسية، بعدما انتقلت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، من مرحلة جس نبض الأحزاب إلى مرحلة تحديد ملامح الأغلبية المقبلة، وذلك في سياق سياسي جديد أفرزته انتخابات 23 شتنبر.
وبعد الجولة الأولى من المشاورات، التي شملت أغلب الأحزاب الممثلة في مجلس النواب، بدأت مواقف القوى السياسية تتضح بشكل أكبر، خصوصا بعد الاجتماعات التي عقدتها المجالس الوطنية للأحزاب الثلاثة الأولى في نتائج الانتخابات، وهي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال.
وفي آخر تطورات هذا المسار، منح حزب الأصالة والمعاصرة، يوم السبت 3 أكتوبر، فاطمة الزهراء المنصوري صلاحية مواصلة التفاوض حول التحالفات وتشكيل الأغلبية، بينما فوض حزب الاستقلال أمينه العام نزار بركة تدبير مفاوضات المشاركة في الحكومة، في وقت أعلن فيه التجمع الوطني للأحرار استعداده للمشاركة، مع تفويض رئيسه محمد شوكي تدبير هذا الملف.
أغلبية جاهزة على الورق
أفرزت الانتخابات التشريعية تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعدا.
وهذه النتائج تجعل التحالف بين “البام” والأحرار والاستقلال السيناريو الأسهل من الناحية العددية، إذ يمكن لهذه الأحزاب الثلاثة أن تشكل أغلبية مريحة داخل مجلس النواب.
لكن الحسابات العددية وحدها لا تبدو كافية لحسم شكل الحكومة المقبلة.
فالمرحلة الحالية لا تتعلق فقط بتوفير العدد الضروري من المقاعد، وإنما أيضا بتحديد طبيعة التحالف السياسي، وتوزيع المسؤوليات والحقائب، والاتفاق حول البرنامج الحكومي، إضافة إلى موقع كل حزب داخل الأغلبية الجديدة.
وهنا بالضبط تبدأ صعوبة المهمة نسبيا طبعا بالنسبة للمنصوري.
الأحرار يريد العودة إلى الحكومة
حزب التجمع الوطني للأحرار حسم، من الناحية السياسية، رغبته في الاستمرار داخل الحكومة المقبلة.
المجلس الوطني للحزب أعلن، يوم السبت، استعداد التجمع للمشاركة في الحكومة، وفوض محمد شوكي تدبير هذا الملف “وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية”.
كما أكد الحزب أن النتائج الانتخابية، رغم التراجع مقارنة بالاستحقاق السابق، ما تزال تعكس، حسب قراءته، استمرار التجمع كقوة سياسية وازنة.
لكن مشاركة الأحرار لا تبدو محسومة بالضرورة، رغم أن الحزب أعلن استعداده لها.
فداخل حزب الأصالة والمعاصرة ظهرت، خلال دورة المجلس الوطني، أصوات تدعو إلى عدم إشراك التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة، مقابل أصوات أخرى طالبت بمنح المنصوري هامشا واسعا في تدبير المفاوضات.
وهذا التطور مهم، لأنه يفتح الباب أمام احتمال أن تبحث المنصوري عن أغلبية مختلفة عن التحالف الحكومي الذي قاد المرحلة السابقة.
بمعنى آخر، السؤال لم يعد فقط: من يريد دخول الحكومة؟، وإنما أصبح أيضا: من تريد المنصوري فعلا أن يكون داخل الحكومة؟
الاستقلال يضع شروط المشاركة على طاولة التفاوض
حزب الاستقلال بدوره حسم موقفه من حيث المبدأ، بعدما قرر مجلسه الوطني تفويض الأمين العام نزار بركة لتدبير المفاوضات المتعلقة بمشاركة الحزب في الحكومة المقبلة.
إذ قدم الحزب كعادة الكثير من الاحزاب ، مشاركته باعتبارها مرتبطة بمصلحة الوطن والمواطنين، وبالرغبة في أن يكون فاعلا أساسيا في بناء المؤسسات والتحديث الاقتصادي والتنمية الاجتماعية.
وبذلك، أصبح الاستقلال أحد المكونات الأساسية في الحسابات الحكومية الجديدة، خصوصا أن الجمع بين مقاعده ومقاعد الأصالة والمعاصرة يوفر قاعدة أولية مهمة لأي أغلبية مقبلة.
غير أن هذه القاعدة لا تكفي لوحدها، وهو ما يجعل هوية الشريك الثالث أو الرابع عنصرا مركزيا في المفاوضات المقبلة.
هل تستغني المنصوري عن الأحرار؟
هذا هو أحد أكثر الأسئلة إثارة في المرحلة الحالية.
فالمنصوري تستطيع، من الناحية الحسابية، بناء أغلبية من دون التجمع الوطني للأحرار، لكن ذلك سيتطلب تجميع عدد أكبر من الأحزاب.
وإذا انطلق الحساب من 97 مقعدا للأصالة والمعاصرة و65 للاستقلال، فإن المجموع يصل إلى 162 مقعدا، ما يعني الحاجة إلى تحالفات إضافية لتجاوز عتبة الأغلبية.
الحركة الشعبية، التي حصلت على 29 مقعدا، تصبح في هذه الحالة رقما مهما. وإضافة الاتحاد الدستوري، الذي حصل على 17 مقعدا، يمكن أن ترفع العدد إلى أكثر من الأغلبية المطلوبة، بينما يمكن لدخول الاتحاد الاشتراكي أن يمنح التركيبة هامشا أوسع.
وهذا السيناريو، وإن كان أكثر تعقيدا من التحالف الثلاثي، يمنح المنصوري خيارات سياسية متعددة ويجعل المفاوضات مفتوحة على أكثر من تركيبة.
الحركة الشعبية تبحث عن موقعها
الحركة الشعبية، التي حصلت على 29 مقعدا، دخلت بدورها دائرة المفاوضات، وسبق لأمينها العام محمد أوزين أن تحدث عن ضرورة إحداث “قطيعة إيجابية” مع المرحلة السابقة.
والموقف يعكس رغبة الحزب في عدم التعامل مع الحكومة المقبلة باعتبارها مجرد استمرار آلي للتركيبة السابقة، بل باعتبارها مرحلة سياسية جديدة لها أولوياتها وتحدياتها، وفق تصريحاته.
ومن هنا، ستكون مشاركة الحركة مرتبطة بما ستسفر عنه المفاوضات بشأن البرنامج الحكومي وموقع الحزب داخل الأغلبية على وجه التحديد.
الاتحاد الاشتراكي يترك الباب مفتوحا
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي حصل على 26 مقعدا، فمازال بدوره داخل دائرة التفاوض.
وقد فوض المكتب السياسي للحزب إدريس لشكر، الكاتب الأول، ومصطفى عجاب، رئيس المجلس الوطني، متابعة المفاوضات مع المنصوري، مع إبقاء المكتب السياسي مفتوحا لمواكبة تطورات الحوار واتخاذ الموقف المناسب عندما تنضج شروطه.
وبهذا، لا يبدو أن الاتحاد الاشتراكي اختار، إلى حدود الآن، الاصطفاف النهائي في المعارضة، وهو ما يجعله من الأحزاب التي يمكن أن يكون لها وزن في الهندسة الحكومية المقبلة، إذا رغبت المنصوري بذلك.
التقدم والاشتراكية.. الموقف لم يحسم
حزب التقدم والاشتراكية، الذي حصل على 19 مقعدا، حافظ بدوره على موقف مفتوح.
وخلال لقائه مع المنصوري، قال الأمين العام للحزب نبيل بنعبد الله إن النقاش تناول المرحلة السياسية الجديدة، مع التأكيد على ضرورة إعطاء الأولوية لوضعية المواطنين والتنمية الاقتصادية، فيما ظل موقع الحزب النهائي غير محسوم.
وهذا الموقف يجعل الحزب حاضرا في الحسابات السياسية، حتى وإن كان دخوله الحكومة يبقى رهينا بما ستسفر عنه الجولة الثانية من المشاورات.
الاتحاد الدستوري يرفع هامش المناورة
الاتحاد الدستوري، الذي يتوفر على 17 مقعدا، بدوره لم يغلق الباب.
وبعد لقائه مع المنصوري، فوّض المكتب السياسي للأمين العام محمد جودار قيادة المشاورات مع رئيسة الحكومة المعينة، ومنحه صلاحيات واسعة لاتخاذ ما يراه مناسبا بما يحفظ مكانة الحزب ويخدم، حسب تعبيره، المصلحة العليا للوطن.
ويمكن لهذا الموقف أن يرفع من القيمة التفاوضية للحزب، خصوصا إذا اتجهت المنصوري إلى بناء أغلبية لا تعتمد على التجمع الوطني للأحرار.
المعارضة تتشكل مبكرا
في الجهة المقابلة، بدأت ملامح المعارضة المقبلة تتضح بشكل أسرع.
حزب العدالة والتنمية، صاحب 54 مقعدا، اختار موقع المعارضة، كما أعلن تحالف اليسار، المكون من الحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار الديمقراطي، اختياره موقع “المعارضة المواطنة” داخل البرلمان.
لكن تحالف اليسار لم يكتف بإعلان موقعه السياسي، بل جعل من طريقة إجراء المشاورات نفسها موضوعا سياسيا.
فقد تحفظ على عقد اللقاء مع المنصوري داخل مقر حزب الأصالة والمعاصرة، وطالب بفضاء مستقل يضمن الطابع المؤسساتي للقاء بين رئيسة حكومة معينة وقيادات حزبية.
وأكد التحالف أن المعارضة بالنسبة إليه ليست مجرد تموقع داخل البرلمان، وإنما مسؤولية سياسية ورقابية وترافعية، مع التشديد على ملفات من بينها إطلاق سراح المعتقلين ومحاربة الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع.
وهكذا، يبدو أن البرلمان الجديد سيتجه إلى مشهد فيه أغلبية حكومية يجري تركيبها، ومعارضة بدأت تحدد خطابها وموقعها قبل الإعلان الرسمي عن الحكومة.
المنصوري أمام اختبار أكبر من توزيع الحقائب
تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر، بموجب الفصل 47 من الدستور، جاء بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات بـ97 مقعدا.
ومنذ تعيينها، أكدت المنصوري أن العمل سيبدأ مباشرة، وأنها ستقترح حكومة في مستوى انتظارات الملك والمواطنين.
لكن التحدي الحقيقي الذي ينتظرها لا يرتبط فقط بسرعة تشكيل الحكومة.
فبعد الاتفاق على الأغلبية، ستكون هناك ملفات أكثر تعقيدا: توزيع الحقائب الوزارية، تحديد التوازنات داخل الحكومة، صياغة برنامج حكومي مشترك، ثم عرض هذا البرنامج أمام مجلس النواب لنيل الثقة.
كما أن الحكومة الجديدة ستكون مطالبة بتحويل نتائج انتخابات 2026 إلى سياسات عمومية واضحة في ملفات التشغيل، والقدرة الشرائية، والشباب، والاستثمار، والحماية الاجتماعية، والتنمية المجالية.
افتتاح البرلمان يضغط على المشاورات
ويزيد اقتراب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة من ضغط الوقت على المنصوري والأحزاب السياسية، خصوصا أن الأمر لا يتعلق بتشكيل الحكومة فقط، وإنما أيضا بإعادة ترتيب المؤسسات والهياكل البرلمانية الجديدة.
وتشمل المرحلة المقبلة انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء مكتبه، وتشكيل اللجان، وتحديد مواقع الأغلبية والمعارضة، وهي كلها ترتيبات مرتبطة بشكل مباشر بالخريطة السياسية التي ستنتجها مفاوضات تشكيل الحكومة.
لهذا، فإن الجولة الثانية من المشاورات ستكون أكثر أهمية من الجولة الأولى، لأنها ستنتقل من الاستماع إلى المواقف العامة إلى التفاوض حول التفاصيل الفعلية للتحالف الحكومي.
نحو أي حكومة؟
في ضوء المعطيات الحالية، يبقى التحالف بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال هو السيناريو الأسهل عدديا، لكنه ليس السيناريو الوحيد.
فموقف داخل الأصالة والمعاصرة من مشاركة الأحرار، واستعداد الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والتقدم والاشتراكية لمواصلة الحوار، كلها عناصر تجعل هامش المناورة أمام المنصوري واسعا.
وفي المقابل، فإن اصطفاف العدالة والتنمية وتحالف اليسار في المعارضة يحدد منذ الآن جزءا من الخريطة البرلمانية المقبلة.
وبالتالي، فإن الأيام المقبلة لن تكون فقط مناسبة للإعلان عن أسماء الوزراء، بل ستكون مرحلة لإعادة رسم الخريطة السياسية لما بعد انتخابات 2026: من “سيحكم”؟ ومن سيعارض؟ وبأي برنامج؟ وبأي توازنات؟
وإذا كان الحساب العددي قد أعطى الأصالة والمعاصرة أفضلية واضحة في بداية المشاورات، فإن الاختبار الحقيقي لفاطمة الزهراء المنصوري سيكون في قدرتها على تحويل هذه الأفضلية الانتخابية إلى أغلبية سياسية منسجمة، وحكومة قادرة على تحمل مسؤولية المرحلة الجديدة، وليس مجرد تجميع للأحزاب والأرقام.





