الرئسيةحول العالم

طلاب المدارس يشعلون الشارع الفرنسي

لم تعد أزمة التعليم في فرنسا محصورة داخل الأقسام والمدارس، بعدما انتقلت إلى الشارع وأصبحت الحكومة أمام ضغط طلابي متصاعد يطالب بالموارد والمدرسين وتحسين ظروف الدراسة.

وفي محاولة لاحتواء الغضب، دعا وزير التعليم الفرنسي إدوار غيفراي ممثلي الاتحادات الطلابية الثلاثة الرئيسية لطلاب الثانويات إلى اجتماع جديد بمقر الوزارة، في خطوة تبدو أقرب إلى اختبار لجدية الحكومة في تقديم أجوبة عملية، لا مجرد وعود جديدة.

224 مدرسة مغلقة.. والاحتجاج مستمر

ورغم تراجع عدد المؤسسات المغلقة بنحو 30 في المئة مقارنة باليوم السابق، بقيت 224 مدرسة مغلقة الخميس، بينما أعيد فتح 151 مؤسسة بشكل جزئي.

وفي المقابل، استمرت المظاهرات في نانت ورين ومرسيليا، مع تحرك مرتقب في باريس، بما يؤكد أن انخفاض عدد المدارس المتوقفة لا يعني بالضرورة انتهاء الغضب.

المعركة انتقلت من أبواب المدارس إلى الشارع، والحكومة تعرف أن السيطرة على أرقام الإغلاق لا تعني السيطرة على أسباب الاحتجاج.

72% مع المطالب.. لكن الشارع لا يريد الفوضى

وتكشف نتائج استطلاع أجرته مؤسسة “إيلاب” لصالح قناة “بي إف إم تي في” مفارقة لافتة.

فـ72 في المئة من الفرنسيين يعتبرون مطالب الطلاب مشروعة، فيما يؤيد 55 في المئة التحركات الاحتجاجية.

لكن 55 في المئة أيضاً يرون أن الاحتجاجات يجب أن تتوقف، مقابل 27 في المئة يريدون استمرارها و17 في المئة يؤيدون تصعيدها.

الرسالة واضحة: الفرنسيون متعاطفون مع أسباب الغضب، لكنهم لا يريدون أن تتحول أزمة المدرسة إلى أزمة في الشارع.

الطلاب يطالبون بأكثر من مدرسين

المطالب لا تتوقف عند سد الخصاص في المدرسين.

الطلاب يطالبون بزيادة الموارد المخصصة للتعليم، تحسين البنية التحتية، إنهاء الاكتظاظ، توفير الكوادر التعليمية، وإجراء تغييرات في نظام التعليم والولوج إلى التعليم العالي.

وهو ما يجعل الاحتجاج يتجاوز مطلباً قطاعياً محدوداً، ليطرح سؤالاً أكبر حول موقع التعليم العمومي داخل أولويات الدولة الفرنسية.

من المدرسة إلى مواجهة الشرطة

ومع توسع الحركة، دخل عامل جديد إلى المشهد: الأمن.

فقد شهدت بعض المدن مواجهات بين المحتجين والشرطة، مع استخدام الغاز المسيل للدموع وتوقيف عدد من الأشخاص، بينما تحدثت السلطات عن أعمال تخريب وحرائق رافقت بعض الاحتجاجات.

في المقابل، اتهم طلاب ونقابات وفعاليات مدنية السلطات بالتشدد في التعامل مع المتظاهرين، خصوصاً بعد إصابة عدد من الطلاب.

وهكذا بدأت الأزمة تأخذ مساراً أكثر خطورة: مطالب اجتماعية في البداية، ثم احتجاجات واسعة، ثم مواجهة مع الشرطة.

حكومة لوكورنو تحت الضغط

وكان رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو قد أقر بأن الحكومة لا تستطيع تجاهل غضب الطلاب، متعهداً بإعداد خطة لمعالجة مشاكل التعليم قبل نهاية الشهر.

لكن المحتجين يريدون أكثر من خطة مؤجلة.

فالأزمة بدأت في 21 سبتمبر الماضي من مدرسة بمنطقة كريتاي قرب باريس، قبل أن تنتشر إلى مؤسسات ومدن أخرى، وتستقطب تضامناً من مدرسين وأولياء أمور ونقابات، بل ومن بعض طلاب الجامعات.

ومع اتساع دائرة المتضامنين، أصبحت الحكومة مطالبة بإثبات أن الحوار ليس مجرد وسيلة لامتصاص الغضب.

الاحتجاج الفرنسي يعبر إلى بلجيكا

ولم يبق الحراك محصوراً في فرنسا.

ففي بلجيكا، خرجت تحركات في لييج وبروكسل اعتراضاً على إصلاحات تعليمية وزيادات في الرسوم، بينما فرضت السلطات في لييج قيوداً على التجمعات عقب مواجهات وأعمال تخريب.

وحاول وزير الخارجية البلجيكي برنار كوينتان تحميل ناشطين من اليسار المتشدد مسؤولية التوتر، وهو ما رفضه ناشطون اعتبروا أن تحويل النقاش إلى اتهامات سياسية يبعد الأنظار عن أصل المشكلة.

التعليم يكشف أزمة الدولة

ما يجري في فرنسا وبلجيكا لا يتعلق بالمدرسة وحدها.

إنه يعكس صراعاً أوسع حول وظيفة الدولة: هل تستمر في تقليص الإنفاق وضبط الميزانيات، أم تعيد توجيه الموارد نحو الخدمات العمومية التي يعتبرها المواطنون حقاً أساسياً؟

وفي الحالتين، تبدو المدرسة في قلب المعركة.

فحين يخرج الطلاب لأن مدرستهم تفتقر إلى المدرسين، وتعاني الأقسام من الاكتظاظ، وتتراجع ظروف الدراسة، فإن الاحتجاج لا يعود مجرد تمرد شبابي.

إنه إنذار سياسي للحكومة بأن أزمة الخدمات العمومية يمكن أن تتحول، في أي لحظة، إلى أزمة ثقة في الدولة نفسها.

الحوار أم شراء الوقت؟

اجتماع وزير التعليم مع ممثلي الاتحادات الطلابية سيكون الاختبار الحقيقي المقبل.

فالطلاب لا ينتظرون خطاباً جديداً، بل إجراءات قابلة للقياس: مدرسون، موارد، مؤسسات أفضل، وأقسام أقل اكتظاظاً.

أما إذا بقيت الحكومة في دائرة الوعود والخطط المؤجلة، فقد تنجح في تهدئة الشارع مؤقتاً، لكنها لن تكون قد أنهت الأزمة.

لأن المدرسة قد تفتح أبوابها من جديد، لكن السؤال الذي أخرج الطلاب إلى الشارع سيظل مفتوحاً: أي تعليم تريد الدولة الفرنسية، وأي دولة تريد أن تكون؟

اقرأ أيضا…

فرنسا.. احتجاجات طلابية خارج السيطرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى