الرياضة والسياسة في “أمم أفريقيا”

0

سامح راشد باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط

لم استضافة مصر بطولة كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم حدثاً رياضياً فقط، فكانت السياسة حاضرة فيها من اللحظة الأولىتكن . وكان حرص القاهرة على تلك الخطوة جزءاً من توجّه رسمي نحو إحياء الانتماء الأفريقي لمصر، وتفعيل الروابط معها في كل المجالات. غير أن تسييس إقامة البطولة في مصر لم يقتصر على السياسة الخارجية، فداخلياً أيضاً، جرى تسويق النجاح في ترتيبات الاستضافة، تجسيداً لإمكانات مصر وقدراتها على تنظيم حدث رياضي ضخم، هو ثالث أكبر فعالية لكرة القدم في العالم، بعد كأس العالم، وبطولة الأمم الأوروبية. وهو إنجاز لا يمكن إنكاره، إذ تقرّرت إقامة البطولة في مصر في يناير/ كانون الثاني الماضي، أي قبل خمسة أشهر فقط من انطلاقها.

ولكن ما حدث أن الاهتمام الزائد بالتحضيرات، والسرعة التي تمت بها، أفضيا إلى اغترار بالإداريات واللوجستيات على حساب النواحي الفنية، فقابل النجاح المبهر لمصر في تنظيم البطولة إخفاق فني مهين للفريق المصري الذي يعد واجهة منظومة كرة القدم المصرية، ورمزاً لحال الرياضة في مصر بشكل عام. كان الخروج صادماً، خصوصاً بعد الحملة الدعائية التي وصلت إلى حد التغني بأن المصريين “أصحاب البطولة”، كما لو كانت البطولة ملكاً ثابتاً لهم.

ولم يلتفت القائمون على الأمر في مصر إلى أن حملات الحشد والتعبئة الجماهيرية وراء الفريق المصري احتوت مضامين عنصرية، وعكست نرجسية واضحة. جسدت التعالي على الأفارقة، والاستخفاف بالقدرات والإمكانات الكروية للفرق الأفريقية المشاركة في البطولة.

فور خروج مصر، تغيّر الخطاب الإعلامي من التودّد إلى أفريقيا ظاهرياً مع الاحتفاظ لمصر بحق الريادة والقيادة والصدارة، إلى تغليب الحس العروبي والانحياز إلى تونس والجزائر، الفريقين العربيين الأخيرين في البطولة. في تناقضٍ بيّن مع الاحتفاء الشديد باستضافة البطولة والتركيز المبالغ فيه على الانتماء الأفريقي لمصر.

بعد ساعات فقط من صاعقة الخروج من البطولة، بدأ الحديث عن الفساد في اتحاد الكرة المصري، وفُتحت ملفاتٌ ماليةٌ وإداريةٌ، يتعلق بعضها بعمولات وخروق شابت التعاقد مع المدرب السابق للمنتخب المصري، أي قبل أربع سنوات. وتم فتح هذه الملفات بسرعة لافتة، فور خروج الفريق المصري من البطولة، ما يعني أنها معلومة مسبقاً ومفرداتها متوفرة لدى الدوائر الرسمية والجهات المختصة. ما يثير تساؤلاً منطقياً بشأن السكوت عن تلك الملفات طوال هذه السنوات، ثم استخراجها فجأة على إثر الهزيمة في البطولة.

حضرت السياسة، أيضاً، في مسائل متعلقة بالتنظيم والإجراءات المتبعة، مثل آلية حضور الجماهير المباريات. إذ تضمنت تسجيل البيانات الشخصية لكل مشجّع وإدراجها في قاعدة بيانات، ومراقبة الجماهير في أثناء المباريات، واستخدام تقنية التعرف على الوجوه لتوقيف من يقومون بأي سلوك له مدلول سياسي، مثل الهتاف للاعب محمد أبو تريكة، أو ارتداء قميص يحمل الرقم 22.

وكان واضحاً أن الغرض من تحديد أسعار مرتفعة لتذاكر حضور مباريات كل الفرق (وليس مباريات مصر فقط) حضور جمهور من طبقة اجتماعية فوق متوسطة، وليس جمهور كرة القدم المصري، من محدودي الدخل ومتدني المستوى المعيشي، فضلاً عن روابط المشجعين والألتراس.

وكان بث المباريات الملف الأكثر مباشرة في التسييس، فبدلاً من بث البطولة على التليفزيون المصري من دون أي أعباء، عبر النظام الأرضي التناظري القديم، أصرت القاهرة على البث أرضياً بالنظام الرقمي، بل ومحاكاة مجموعة قنوات Bein في الاستعانة برموز رياضية شهيرة، مثل جوزيه مورينيو، بكلفة مالية ضخمة، لا عوائد مالية تعوّضها من اشتراكات أو إعلانات.
ليس جديداً أن تحضر السياسة في هذه الفعاليات الرياضية، ولكن حين يتداخل فيها الخارجي مع الداخلي، ويتغلب الدعائي على الاقتصادي، ويتناوب العروبي مع الأفريقي، ويتفوّق التنظيمي على الفني، يصبح الحدث نموذجاً مثالياً لتشبُّع الرياضة بعبق سياسة مشوَشة ومتقلبة، وإن كانت طاغية ومتغلغلة.

المصدر: العربي الجديد

اترك رد