مجتمع

كيف تسيست نساء التنظيمات الإسلامية في المغرب؟

الحديث عن العمل النسائي في التنظيمات الإسلامية المغربية، يدفعنا إلى العودة للحديث عن حركة الشبيبة الإسلامية/ الحركة الأم، فرغم أنّ هذه الحركة كانت تضم من بين أجهزتها التنظيمية، جناحاً خاصاً بالنساء، إلا أنّه في الواقع لم يكن للنساء دور يذكر في تسيير أمور وشؤون هذه الحركة، اللهم إلا بعض المهام المحدودة جداً في الزمان والمكان، حتى أنه يمكن القول إنّ الحركة الإسلامية في المغرب ابتدأت في أواخر الستينيات بصيغة المذكر، ولم تفتح بابها للنساء إلا مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة.

وترجع أسباب ذلك إلى طبيعة التنظيم السياسي نفسه (الشبيبة الإسلامية)؛ الذي كان يعتمد التقية والسرية وأسلوب تفريخ الخلايا، وهو أسلوب تنظيمي يتطلب نوعاً من اليقظة والحذر، اللذين قد لا يتوفران، بسبب عوامل وظروف اجتماعية، في العنصر النسوي، غير أنّ ذلك لم يمنعها من استقطاب أعداد مهمة من النساء في ظرف وجيز، خاصة في صفوف التلاميذ والطلبة، إلا أنّ المعطيات حول وضعيتهن التنظيمية، وكيفية تأسيس الخلايا النسائية الأولى، والمناهج التي درست فيها، وشروط اختيار المرأة المسؤولة عن الخلية، وكيف تطور العمل النسائي، وما إلى ذلك، تكاد تكون منعدمة، بحيث لا توجد على هذا المستوى تفصيلات دقيقة، اللهم إلا بعض التقارير والآراء المتفرقة هنا وهناك.

وفي هذا الإطار، يشير بعض هذه التقارير، إلى أنّ أولى حلقات الجناح النسوي تأسست عام 1971، وقد اقتصر تكوين الحلقة الأولى على طالبات الحركة وبنات أعضائها، ويشرح الجناح النسوي للحركة طبيعة تلك الحلقات والمناهج فيقول: “كانت الدروس في هذه الحلقات تفسيراً لكتاب الله، وشرحاً لصحيح البخاري، وتلاوة في كتب فكرية إسلامية، وحفظاً لنصوص حديثية أخلاقية وفقهية”، وبعد تأهل هذه الخلية الأولى، تعمد إحدى عضواتها إلى تأسيس خلية أخرى بالمنهج نفسه والطريقة ذاتها، وهكذا إلى أن تعددت الخلايا والحلقات، ولم تكد تمرّ أعوام قليلة حتى عمت الحلقات كلّ أرجاء المغرب، وظهر في شوارعه نموذج آخر من النساء اللواتي يرتدين الحجاب أو الخمار.

وقد كانت خلايا الجناح النسوي منذ تأسيسها، منفصلة تنظيمياً عن الجناح الخاص بالرجال، عدا الخلية الأولى التي تكونت من نساء على صلات عائلية برجال الحركة، وتقول التقارير إنّ أحد رجال الحركة حاول فيما بعد اختراق جدار الفصل بين الذكور والإناث، حين اقترح على مرشد الجماعة، الشيخ عبد الكريم مطيع، الذي يوجد حالياً بالمنفى، أن يلقي الرجال على النساء محاضرات تربوية، فرفض الشيخ الاقتراح، على اعتبار أنّ “ظروف الحركة الإسلامية لا تسمح لها بفتح باب التقولات وشبه المخالفات الشرعية”.

وظلت هذه اللازمة قائمة في تنظيمات الإسلام السياسي في شقّه الإخواني، حتى بعد تفرق الشبيبة الإسلامية، وتقسيمها إلى جماعات، تذكر الوزيرة السابقة، سمية بن خلدون، العضوة في جماعة “التبين” المنشقة عن الشبيبة الإسلامية، والتي برزت مع بداية الثمانينيات: “وسيلة تكوين النساء داخل الجماعة في هذه الفترة كانت تتم عبر تسجيل الأخ المؤطر للدرس على شريط سمعي، وتسليمه إلى إحدى الأخوات، وبدورها تسمعه للأخوات، وتقوم بتسليم أسئلة الأخوات المكتوبة إليه، ومع زيادة عدد الأخوات انتقل الأمر إلى عقد الجلسات خلف ستار فاصل، يكون فيها الأخ هو من يملي الدرس على الأخوات، ويجيب عن الأسئلة”، غير أنّ هذه الطريقة الأخيرة كانت تجد صعوبة كبيرة في تجسيدها على أرض الواقع، بحيث كان العنصر الذكوري يرى فيها نوعاً من الاستهتار بالشريعة الإسلامية، وباباً مشرعاً من أبواب الفتنة.

ولم تستطع النساء أن يجدن موطئ قدم لهن داخل الحركة الإسلامية في المغرب، إلّا مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، حيث تمت هيكلة القطاع النسائي، وتسطير منطلقاته وأهدافه، التي حددتها -على سبيل المثال- الذراع الدعوية لحزب العدالة والتنمية، حركة التوحيد والإصلاح، في إبراز النموذج الأساسي لتحرير المرأة وتكريمها، تعزيز مكانة الأمومة، بلورة رؤى إسلامية في المجال القانوني والحقوقي والاجتماعي، مواجهة الأنماط الثقافية والسلوكية التغريبية في مجال المرأة والأسرة، تكوين قيادات نسائية متخصصة ومؤهلة، وأيضاً تكوين تيار نسائي شعبي يتبنى المشروع المجتمعي الإسلامي ويعمل على تحقيقه.

وستجد هذه الأهداف صدى لها مع انطلاق السجال الواسع الذي سيشهده المغرب فيما بعد حول تعديل مدونة الأسرة، بحيث انخرطت نساء كلّ من حركة التوحيد والإصلاح وجماعة العدل والإحسان، في نقاشاته، وهو الشيء الذي أسهم في تطوير تجربتهن وخبراتهن الحركية، ومكنهن من الارتقاء في السلم التنظيمي، حركياً وحزبياً، والوصول إلى مناصب تنظيمية مهمّة داخل الحركة، وهكذا تمكنت ستّ نساء، وللمرة الأولى، من الدخول إلى قبة البرلمان، فيما تمكنت أخريات من فرض أسلوبهن التنظيمي وطريقة تفكيرهن، بالتالي تحقيق نوع من الزعامة، ويتعلق الأمر في هذا الإطار بكل من: ندية ياسين، ابنة مؤسس جماعة العدل والإحسان عبد السلام ياسين، ونعيمة بنيعيش، عضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح، الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية الإسلامي.

وقد كانت منظمة “تجديد الوعي النسائي”، المقربة من حزب العدالة والتنمية، الأكثر حضوراً على مستوى التعديلات المطروحة وعلى مستوى الرهان الجماهيري، وقد انعكس هذا الحضور على النساء الإسلاميات المشاركات، اللواتي عبّرن عن انفتاحهن، وبرهنّ كفاءتهن، وإلى جانب مدونة الأسرة، انخرطت نساء التنظيمات الإسلامية كذلك في الجدل الدائر حول مواثيق الأمم المتحدة ومفاهيمها التي تخصّ المرأة، وقد كان هذا النقاش من أهم الأسباب التي جعلت هذه التنظيمات تفكر بشكل جدي في تأسيس وهيكلة العمل النسائي، وإعداد ثلة من النساء من أجل تمثيل الإسلام السياسي في الملتقيات والمنتديات الدولية، ولا يمكن في هذا الإطار إنكار الخبرات التي اكتسبتها الناشطات الإسلاميات على خلفية مشاركتهن في مؤتمر بكين 1995، وغيرها من المؤتمرات وورشات العمل الدولية، التي ستنعكس إيجاباً فيما بعد على البرامج والأنشطة النسائية.

وإذا كانت هؤلاء النسوة قد ابتسم لهن الحظ، وتمكّن من الوصول إلى مواقع القرار داخل تنظيمات الإسلام السياسي، إما بهذه الطريقة أو بتلك، فإنّ أخريات أجبرن على الظهور على مسرح الأحداث السياسية؛ إما لتعرّض من يعيلهنّ للاعتقال، أو لأسباب أخرى، ومن تلك النسوة زوجات وقريبات المعتقلين السياسيين الخمسة المدانين على خلفية ملف “بليرج”، والذين غادروا عقب أحداث الربيع العربي، المركب السجني بسلا بعدما استفادوا من عفو ملكي، ولولا هذا الاعتقال لما تيسر للمهتمين والمتتبعين والمتخصصين معرفتهن، ومعرفة قدراتهن في المتابعة والتحليل والتفاعل مع الأحداث.

وقد برزت في هذا الإطار كلّ من: زوجة المعتقل السابق محمد المرواني، عفاف الحاجي، وابنة المصطفى المعتصم المعتقل السابق كذلك، والأمين العام لحزب البديل الحضاري المنحل، سمية المعتصم، كما برزت كلّ من زوجة العبادلة ماء العينين، بديعة بناني وزوجة عبدالحفيظ السريتي، سكينة قادة.

عبد الرحمن الأشعاري كاتب وصحافي مغربي
المصدر: عن موقع حفريات الاعلامي

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى