محمد فكري يروي يوميات معتقل سياسي بمعتقل التعذيب درب مولاي الشريف (الحلقة3)

0

جهاز البوليس السياسي، الذي اعتاد فبركة تهم كبرى للمناضلين التقدميين، الاتحاديين على الخصوص، مثل حمل السلاح ومحاولة قلب النظام بالقوة، والمس بالأمن الداخلي والخارجي للدولة، وجد نفسه في حالتنا أمام مشكل آخر لا يفقه فيه شيئا، أمام أشخاص يحملون أفكارا، وأداة إتهامهم هي كومة من الأوراق والكتب والمجلات، إستعصى عليهم (البوليس) فك ألغازها وفهم معناها، هم لا يفقهون شيئا في الثورة الوطنية الديمقراطية، ولا القواعد الحمراء المتحركة، أو رب شرارة أحرقت سهلا، ولا في التناقض الأساسي والتناقض الثانوي، أو خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء.

صورة جماعية لبعض المعتقلين السياسيين بالسجن المركزي بالقنيطرة رفاق محمد فكري

ربما تساءلوا في قرارة أنفسهم، كيف سيغير هؤلاء الدولة والنظام ونحن لم نجد لديهم، مما حجزناه، ولو إبرة أو مسمارا وكل ما كان في حوزتهم أكواما من الأوراق والمئات من الكتب من مؤلفات ماركس وأنجلز ولينين وروزا لوكسامبورغ وتروتسكي وستالين وماو تسي تونغ وغرامشي، ومهدي عامل وإلياس مرقص وياسين الحافظ، وحسين مرة وطيب تيزيني وجورج طرابشي وصادق جلال العظم وغيرهم.

وقد استغرقوا أشهرا عدة في البحث عن إيجاد تكييف لما سيتهموننا به.

في هذا المسلخ البشريأنت ممنوع من الكلام، من الهمس ممنوع من الضوء كنا نعرف تعاقب الليل والنهار من أصوات الحراس الذين يتناوبون على حراستنا كما قلت سابقا منهم السيء جدا والخسيس الذي يبحث عن السبب لتعذيبنا  ومنهم الأقل سوءا، الذي يقوم بواجب الحراسة كما أمر بها ولا يتسامح ويعاقب من وجده يتكلم مع رفيقه بمجرد الوقوف لمدة معينة دون ضرب

أما الأشد سوءا فيعاقب بالوقوف على رجل واحدة لساعات زيادة على الضرب، وأسوأهم ممن ذكرت، شخص أطلقنا عليه لقب (زامل) يمتاز بسادية قل نظيرها، وربما لميولاته الشاذة، وشخص آخر كنا نسميه (الهيش) وهو فعلا كذلك. يليهم من نسميه المثقف، فهذا لديه عقدة مع المثقفين، حين يسألك عن مهنتك وتجيبه بأنك أستاذ أو مهندس، يبدأ في ترديد: “ولد الحرام مهندس وتيشد مائة ألف ريال في الشهر” ويبحث عن ذريعة لعقابك، إما بحرمانك من الذهاب للمرحاض أو يتهمك بالكلام لينتقم منك دون سبب، والحقيقة أنه في أوقات حراسة هؤلاء الأشد سوءا، نجد راحتنا في الكلام وتبادل الحديث، لأن ترترثهم في الكلام تجعلهم لا ينتبهون لنا، وفي أوقات حراسة هؤلاء يحرم بعضنا على نفسه الذهاب للمرحاض، ومنهم أنا.

تتوالى الأيام والأسابيع والشهور، ونحن في ظلام الليل لم نعد نفرق بين نهارنا وليلنا ولا أسماء الشهور والسنة التي نحن فيها. أجسامنا متسخة والقمل يسرح ويمرح في أجسادنا ويمتص من دمائنا، والأخطر من القمل، حشرة أخرى تسمى البق، وهي أشد إيلاما وامتصاصا للدماء.

حين قرأت ما كتب عن تازمامارت أو تكنيت وأكدز وما عاشه رفاقنا في معتقل أنفا والكوربيس، اعتبرت ما عشناه نزهة وإقامة في نزل من خمسة نجوم.
٠٠٠٠
للحديث صلة أيها الأعزاء
٠٠٠٠
ملاحظة على الهامش:

أفتخر وأعتز بتعليقاتكم وملاحظاتكم وحتى تقويمكم، عزيزاتي أعزائي، وأؤكد مرة أخرى أنني مجرد إنسان بسيط، ما تعرضت له يعتبر لا شيء، مقارنة بما تعرض له رفيقاتي ورفاقي وما تعرض له المناضلون الذين سبقونا وكانوا قدوة لنا.. تحية لكن ولكم من أعماق القلب

Leave A Reply