مقاربة تفكيكية لكتاب العالم إلى أين لتشومسكي…الصفة اليمينية قادت أمريكا لتكون عدوة الشعوب 2/2

0

ينطلق هذا الكتاب من مجموعة من الأطروحات المتنوعة باعتبارها ظاهرة تاريخية وفكرية، لذا يدعونا لهذا الكتاب إلى قراءة حول إنجاز مشروع تشومسكي بهدف إظهار فساد المنزع الثقافي الأمريكي والعالمي، وكذا النزعات الاختبارية التي تستند إلى مواقف توفيقية دون مبالاة بمقتضيات الشروط المعولمة، والتي تتطلب منا في الحالة الأمريكية كثيرا من الحسم وجرأة التفكيك، والتحليل.

وانطلاقا من هذا الطرح فإن هذه الوصفة الانقلابية ما هي إلا عتبة التي من خلالها يحاول أردوغان أن يثبت غصون – الإسلام السياسي – مدعيا أن أمريكا هي التي تريد المكائد للعالم سواء في أفغانستان ضد طالبان، أو ضد جبهة الرقي والتقدم في هايتي، كلها طواحين هوائية، وأحلام لا تتساوق مع أطروحة كلينتون ص: 49، وشومسكي يشرح في الفصل الثاني عدة صور عما يمكن أن يكون عليه المجتمع البديل، فقلة القراءات النقدية هي التي جعلت المجتمعات الإنسانية أن تكون أنصار الرؤى التروتسكية، والترامبية (ترامب)، فهذه الصفة اليمينية قادت أمريكا لتكون عدوة الشعوب، والدول وأن تحاكم الإنسانية من خلال موقف الرجل الأبيض، لأنها القاعدة الهوية خارج السيطرة كما يقول شومسكي ص: 135، لأن الرؤية اليمينية لا تتساوق مع المنظمات الحقوقي، والتيارات الديمقراطية ومع المهمشين السود، مما خلق دعوات إلى التمرد، والعصيان المدني كما نراه اليوم.

لأن هذه الانتخابات لسنة 2016 كانت هي الكارثة في تاريخ أمريكا، لأنها اعتمدت الاقتصاد كعمود فقري دون مراعاة الجانب الإنساني، أو الجانب الأخلاقي، أما على المستوى الديبلوماسي فالرئيس ترامب قد خرج من عدة معاهدات أخرها من المنظمة العالمية للصحة، ومعاهدة التسلح، وغيرها من المعاهدات كالاحتباس الحراري ص: 169، لهذا فمستقبل الديمقراطية كما يقول فريد هاليداي يعتمد على البعد الدولي (الكونية الجذارية ص: 145).

لقد قاد هذا التطور الرأسمالي الإمبريالي في السنوات الأخيرة إلى طرح مسألة – الحرية – العدل – الإنسان، باعتبارها مسلمات تقليدية تفترض أن تسبق وجود ديمقراطيات عند الشعوب القديمة بشكل حصري، لكن هذه المسلمة أثبتت عدم صلاحيتها، وذلك لعدة أسباب أهمها أن تاريخ التطور السياسي والفكري ارتبط بشكل وثيق بطبيعة العلاقات الخارجية بين الدول، لذا تعمل الولايات المتحدة في تحويل وتجديد الرؤساء حسب شروط الداخلية للديمقراطية، وهذا الانقلاب هو مغاير لما قاله لوك وروسو، وميل، وماركس ومورون، وغيرهم، لأن القناع الذي ترتديه أمريكا، هو قناع يواجه الديمقراطيات كشكل سياسي سواء في بعدها التشخيصي، أو البنائي الوظيفي، لأن أفضل نظام سياسي مرغوب فيه، هو نظام ليبرالي كما يقول هاليداي، وليس هناك بالفعل أية إيديولوجيات منافسة لها الآن، وبهذا الشأن فإنه يمكن القول إن أطروحة فوكو ياما التي أسيء إليها كثيرا، صحيحة بشكل عام التي تقول إن الديمقراطية الليبرالية هي نهاية الفكر السياسي العالمي، وأفضل صيغه”، ص: 136.

فالكاتب في هذا الكتاب يطرح عدة قضايا منها مشكلات اقتصادية، باعتبارها مركز العولمة، لأنها القاعدة والمقياس للدول المعاصرة ولنظام القيم، فالدولة مثلا “تهدف إلى تقييم المجتمع إلى بيانات ثقافية ولغوية، من أجل الخروج من الفقر بالعمل المجد، وأمنت مستقبلا أفضل لأطفالك، كان من الممكن إلى بعض العاملين أن يجدوا عملا بأجر محترم، أن يشتروا منزلا وسيارة، وأن يدفعوا أجور تعليم أطفالهم … كل هذا انهار، ويجب أن لا يكون لدينا الكثير من الأوهام حول من كان حقيقيا لا تزال قابلية الحركة الاجتماعية في الولايات المتحدة أقل من المجتمعات الغنية الأخرى حتى الآن.

تدعي أمريكا أنها ديمقراطية، لكن من الواضح أنها أصبحت محكومة بنوع من الأثرياء، رغم أنها لا تزال مجتمعا حرا ومنفتحا بالمعايير المقارنة، كل هذا ينطوي على حقل فكري مبني على التحريف وسوء العرض والأمور الغير العقلانية، ومن مهمات الالتزام الديمقراطي هو تحديد الأولويات والأهداف، لكن كل هذا يدفعنا نحو قدر أكبر من سوء الفهم، حيث يتعلق الأمر بأزمة الصحة، والتعليم فهما مرتبطان بالسوق كما يقول تشومسكي ص: 203 إلى 215) باعتبارها مظهرا من مظاهر العولمة التي حظيت بالتصفيق والتلفيق، فهو التيار الذي ولد لدى الأمريكي الهوس، والبارانويا ونظرية المؤامرة الخادعة، قد بت فيه الحياة المشؤومة دون التخلص من هذه الحياة التي تهيمن عليه الأصنام العديدة، والمسيطرة عليها كما يقول فرانسيس بيكونز
لذا فالكتاب يطرح كما قلت ترهات الحلم الأمريكي، الذي لازال يتردد صداه عبر كل الوسائل المرئية والغير المرئية، لكن السؤال الذي لم يطرحه صاحب الكتاب، هل الرجل الأبيض هو السيد، والآخر هو العبد؟ وهل نعيش عصر الأبارطاي الآن؟ فالإنصات إلى سياق الشارع سندرك حجم التناقض والازدراء الخرافي المنتشر حول القضايا الدولية، ويقول هاليداي “إن الاعتقاد أن الآخرين هم الذين ينطلقون في تفكيرهم من نظرية المؤامرة، مثل خشية العرب من الأتراك، وغصب الصينيين من قصف سفارتهم في بلغراد وقلق المسلمين من المؤامرات الغربية، ص: 41 الكونية الجذارية لا العولمة المترددة.

إذن ما تعني هذه الرؤى؟ وكيف تصبح مجتمعية؟، فليس مهما الحديث عن هذا الكتاب لأنه تناول العالم كله، شرقا وغربا، وتناول أمريكا، كظاهرة، فهي الناقلة للمعرفة، والمشكلة للخطاب العلمي، حيث لا وجود للوقائع والأبحاث إلا بوجود أمريكا، فهي الأرضية التي خلقت الثنائيات ما بعد الحرب الثانية، وما بعد الحرب الباردة وانهيار جدار برلين، وتمزيق الاتحاد السوفياتي في عهد كوربتشوف وإسقاط الأنظمة العربية (تونس – مصر – العراق – السودان – اليمن …) وهي الخالفة للتيارات المتؤسلمة (القاعدة، داعش– النصرة …)، والمبدعة للعالم، والمناهضة لشنغاي، وللصين وروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية وللمكسيك.

فهي الداعمة لكل الحركات الأخرى (السودان – سوريا – اليمن) إنها الذات التي تحضر داخل كل الحقول الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية لكن حينما تكون هذه الذات بداهة، وحين يكون العالم متمردا حينئذ يكون العالم، والذات متصارعين لا يقدمان تصورا واحد، وهذا ما نراه اليوم بينها وبين إيران) رغم أنها هي التي ساندت أية الله الخميني في إسقاط النظام فهي مستعدة دائما لتقديم إجابات جاهزة عنها، وعنا، هي إجابات أصبحت ضمن ماهية بنية حقل تصادمي بين الشرق والغرب، بين المضامين النظرية الغربية، والمضامين الشرقية.

وعبر هذه الثنائيات الميتافيزيقيا، تحدد لنا جذارة هذا الكتاب وليس غيره، لأنه يقدم لنا فهما للعالم، وينقلنا من معرفة، إلى نظام إلى اقتصاد، وتعليم، والدستور كلها عبارة عن تواصل داخل المؤسسات المجتمعية، والسياسية بوصفها نظاما من أجل فهم ما هو العالم، فشومسكي استند إلى معرفة يقينية نظرا لخبرته، وموضوعيته سواء على مستوى الاجتماعي أو الفكري أو اللساني، فهو المخالف والغير المطابق لتتماثل، حيث يكشف لنا المسكوت عنه كما يقول فرويد أو المحجب كما عند هيدجر، باعتباره مفهوما أبجديا وأيقونيا يفكك الأنظمة الفيبيرية السلطوية، والأنظمة الاجتماعية (الدوكايمية) والتطورية (داروين) والبنية الذهنية (موران، لاكان)، والأسطورية الشخصية/الفحولية (كارل يانج)، وبعض الديناميات الفردية والجماعية على مستوى الميكروبر كماتي (مدرسة شيكاغو)، هكذا طرح قضية أخرى في الجزء الثالث وهي الأناركية (الإسبانية) والشيوعية والثورات ص: 233 كثورة.

فهذه الكلمات هي عبارة عن حركات حيوية ترتبط بالفكر الثوري ضد الرأسمالية الصناعية، فولدت حركات كرست نفسها للعمل الجماعي ضد الاستعمار، والاستغلال، والاستيلاب وأصبحت فترة الليبرالية الجديدة منذ الثمانينيات فترة إضعاف وتهميش لمعظم سكان العالم، لكن الخلد القديم الذي تحدث عنه كارل ماركس غير بعيد عن السطح أبدا، وهو يظهر في أماكن غير متوقعة وانتشار المشاريع والتعاونيات التي يمتلكها العمال في الولايات المتحدة التي هي ليست أناركية ولا شيوعية حرفيا يجهل بذور تحول جذري بعيد المدى وهي ليست وحيدة” ص: 234.

فهذا الشعور حسب الكاتب هو استحضار الماركسية (ماركس إنجليز، هوشي مين، ماو –كاسترو اوروز لوكسمبورغ، تروتسكوي، وغيفارا …) ثم بعض الثورات، كثورة كولومبيا، وإيرلندا والثورة الإسبانية، (الأناركية) وثورة 1968 بفرنسا، وثورة السود، في أمريكا كلها شخصيات، وحركات هدفها الأسمى هو التغلب على السلطة الطبقية، وسلطة أصحاب الامتيازات (الملاكين – الكنيسة – الحكام – الرؤساء …) ص: 235

لكن يواجه هذا الخطاب المؤسس لدولة العمال، بالمواجهة من الملاكين، والأغنياء، كما قلت كما هو الشأن في كوبا (فديل كاسترو) وأمريكا، والفيتنام وأمريكا (هوشي مين والرئيس الأمريكي)، فرغم القتل الذي تعرض له الجنود الأمريكيين، فإنها بقيت تفتح لنظامها المرتبط بالحقوق، والحريات (نيكسون)، وإلغاء الطبقية، وظهور توجهات حزبية ديمقراطية كما يقول جون ديوي ص: 237 الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتكون بديلة تتلائم مع السياق الأمريكي، ص: 233 و237.

ومهما يكن من أمر، فشومسكي يعتبر من بين كتاب متعددي التخصصات، الشيء الذي يسمح له بمساءلة كل القضايا السائدة في أرجاء العالم، وسيظل المصدر التعبيري لكل المعارف. حيث يطرح كينونات متعددة ومتنوعة ومنظومات عالمية تتفق عليها القوانين والدساتير والأديان كمرجعية وكنظام مؤول، يحدد به أنماط العلاقات الإنسانية على أسس صراعية، من دون السقوط في الطوباوية المثالية، مع التأكيد الدائم على السمة الهيرمينوطيقا الكونية التي ينادي بها الحاكم الأمريكي)، فشومسكي يرى أن جوهر هذه القراءة ومكوناتها ليست نتاج الفكر المختلف والمعاصر، بل إنه الفكر الممارس الذي ساهم فيه شومسكي سواء راهنا أو عبر قرون التاريخ، حيث جعل هذا الكتاب عنه درس سياسي واقتصادي وفكري، وقانوني،

واستراتيجي وسجلات سياسية وعلموية، وكذا هشاشات الديمقراطيات، عارضا لنا أمريكا كقطب ديمقراطي كوني، وفاتحا أيضا علاقة الديمقراطية، بالحركات التحررية وببعض المفاهيم الوظيفية المعولمة من وراء الحدود، كلها تدعم بعضها البعض من أجل إثبات عالمية واقعية ينشدها الرأسمالي، فأهمية الكتاب في فصوله الثلاث يرفض القراءة البسيطة والدعوة الثورية المعرفية الساذجة يسارية كانت أم يمينية، أم تراثية، طارحا لنا بديلا يرفض الإقرار بالواقع السائد، وعدم التسليم أيضا بالمغلق، إنه الخيار الأصعب في التأويل والتفسير، لأنه يفكك كل الامبراطوريات العازلة، وكل المركزيات أملا بالقطع النهائي مع الحقب الماضوية، وبالحقب العذراء، وفي الأخير أمل أن تكون هذه القراءة هي الباب المفتوح على القراءات الأخرى، وأن يكون قلمي حلما ثوريا يثور المتناهي.

Leave A Reply