
لم تكن عمدة الدار البيضاء في حاجة إلى كثير من الجهد كي تُعيد إلى الواجهة سؤالاً يتهرّب منه المسؤولون: هل أصبح بعض أعضاء الحكومة متشبّثين بخطاب دعائي يحتقر ذكاء المغاربة وشبابه، بدل مخاطبتهم كجمهور واعٍ؟
إن تصريحها الأخير، حين طالبت البيضاويين بـ “شكر رئيس الحكومة لأنه أنقذهم من العطش والجفاف”، لا يعتبر زلة اللسان؛ بل كان تجلياً فاضحاً لأسلوب حكمٍ قديم عتيق قافز على التحولات العميقة الذي حدثتت في المجتمع، والذي، يخلط بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية، وبين الخدمة العمومية ومنطق الامتنان الشخصي.
الجفاف… معطى طبيعي لا “إنجاز حكومي”
إنه و من المُهين أن يُطلب من المواطنين شكر أي مسؤول على “إنقاذهم من الجفاف”، وكأن المغرب هو البلد الوحيد الذي يعرف دورات جفاف طبيعية، أو كأن العلم لا يقول منذ عقود إن شحّ المياه ظاهرة بنيوية في شمال إفريقيا.
إن معالجة معضلة الماء ودخوله فترات الشح، ليست معجزة سياسية ولا مِنّة من رئيس الحكومة؛ إنها من المفروض أن تكون سياسة استباقية وهي اليوم غائبة لأنه كان يفترض أن تُخطَّط منذ سنوات، وأن يُحاسَب المسؤولون حين يتأخرون في إنجازها.
لكن حين يتحول “الجفاف” إلى مادة دعائية لتضخيم صورة رجل واحد، فذلك يعني أن التواصل الحكومي بلغ مستوى خطير من التلاعب بالعقول.

من صفقة الدواء إلى تحلية المياه… تضارب المصالح كعنوان مرحلة
الانزلاق الكلامي للعمدة ليس معزولاً، هو يأتي في سياق أشمل، حيث لم تعد الحدود واضحة بين ما هو قرار حكومي وما هو استفادة اقتصادية مباشرة لأعضائها الذي غالبيتهم رجال أعمال، و”بزنس”.
نحن في الأيم القليلة القادمة، ننتقل من ملف تراخيص الأدوية وما رافقه من شبهات تمرير القرارات من وزير لوزير، إلى صفقة تحلية مياه أكادير التي آل جزء من تنفيذها إلى شركات مرتبطة برئيس الحكومة نفسه، أي أننا أمام تقاطع الحلقات لتشكّل صورة واحدة:
حكومة تتضخم فيها المصالح، ويضيق فيها الخيط الفاصل بين المال والسلطة، بينما يُطلب من المواطنين التصفيق بدل طرح الأسئلة.
عمدة الدار البيضاء… نموذج صغير لخلل كبير
ما جرى يوم الجمعة، عندما تحدثت العمدة بتلك اللغة التي جمعت بين الفوقية والتلميح إلى “الفضل الشخصي”، لم يكن سوى مؤشّر حيّ على أزمة تواصل حكومي عميقة.
بدل أن يشرح المسؤولون خياراتهم، يلوذون إلى خطاب “اشكرونا”، وكأنهم يهبون الخدمات من جيوبهم الخاصة.
بدل الاعتراف بالقصور أو التأخر في تدبير الماء والنقل والنظافة، يُلقي بعضهم باللوم على الطبيعة أو على المواطنين أنفسهم.
إنها ثقافة سياسية تُهين وعي الناس، وتعاملهم كما لو أنهم جمهور ساذج لا يرى ما يجري خلف الستار.
البيضاويون لم يطلبوا صدقة… طلبوا احتراماً
ما فعله البيضاويون بعد ذلك كان واضحاً: الردّ جاء من الشارع ومن مواقع التواصل الاجتماعي، المغاربة فهموا الرسالة ورفضوها.
لأنهم يعرفون جيداً أن الخدمات العمومية حق، وليست هبة؛ وأن المسؤول، سواء كان رئيس حكومة أو عمدة، هو موظف عمومي قبل كل شيء، لا يستحق الشكر بل المساءلة.
إن ما نعيشه اليوم هو نتيجة منطق سياسي يعتقد أن السلطة تعطي الحق في التعليم، وفي الاقتصاد، وفي الخطاب.
لكن لحظة واحدة من سوء التقدير كافية لكشف هشاشة هذا الوهم: المغاربة ليسوا قطيعاً، والمغرب ليس شركة خاصة. والبلد أكبر من أي رجل أعمال مهما كان نفوذه.
العمدة لم تُخطئ وحسب…
لقد فضحت، دون أن تقصد، الطريقة التي تنظر بها هذه الحكومة إلى المغاربة: زبائن لسلطة تحتاج دائماً إلى التصفيق.
وهذا بالضبط ما لن يقبله أحد.






