لا أحد يفهم لماذا يصر يونس مجاهد، كلما وجد نفسه في قلب عاصفة، على فتح “كتاب الفلاسفة” واستدعاء مدرسة فرانكفورت وأدورنو وماركيوز وهوركهايمر، كما لو أن ذكر بضعة أسماء ثقيلة كاف لتحويل نقاش عمومي حول خروقات مؤسسة دستورية إلى محاضرة في نظريات الإعلام، أو غيره.
يفتح مقاله بفقرة فضفاضة عن كون الإعلام موضوع تحليل منذ ظهوره، وعن اهتمام العلماء والفلاسفة به… فقرة لا تضيف شيئا، لكنها تستعمل كديكور فكري يراد به إقناع القارئ بأننا أمام قضية “جلل”.
ثم ينتقل بسرعة إلى تكديس أسماء: مدرسة فرانكفورت، تيودور أدورنو، هوركهايمر، ماركيوز… كأننا في درس جامعي، مع تقديرنا الكبير للدرس الجامعي في مكانه، وليس وسط نقاش عمومي حول تسريبات لجنة أخلاقيات تستهدف صحافيا.
لكن هنا تماما تبدأ المفارقة الفاضحة.
إحالات بلا سياق… ونظريات ضد الاتجاه
مدرسة فرانكفورت التي يستشهد بها مجاهد عشوائيا كانت مهووسة بشيء واحد: نقد السلطة والهيمنة.
أدورنو وهوركهايمر لم يكتبا عن “التفاهة” لأنها مجرد ترف ثقافي، بل لأنهما رأيا فيها أداة “سلطوية” ناعمة لإدامة التحكم بالجماهير، بل واستبلادها.
ماركيوز لم ينتقد “الإنسان ذو البعد الواحد” ليحدثنا عن “اللايكات”، بل ليكشف كيف تعيد السلطة إنتاج طاعتها داخل المجتمع.
النقد كله كان موجهاً ضد السلطة… ومع حرية الأفراد، أما عند يونس مجاهد؟ فالقصة تنقلب رأساً على عقب.
يستعمل نقد فرانكفورت للسلطة… ليتفادى مواجهة السلطة، ويستعير مفاهيم نقد الهيمنة… ليبرر صمتاً يخص مؤسسة فقدت استقلالها، وزج بها في معارك، أقل ما يقال عنها، إنها “خبيثة” و”انقلابية”، كل التوصيفات الخبيثة تصلح… .
يستشهد بفلاسفة التفكيك… ليهاجم صحافيا اسمه حميد المهدوي، وفق ما كشفته التسريبات، بينما التفاهة الإعلامية الحقيقية، تلك التي تحدث عنها فرانكفورت، يعيش معها مجاهد في سلام، بل يهادنها ويتجنب الاصطدام معها.
بمعنى آخر:
الفلاسفة كانوا يقاتلون السلطة. ومجاهد يوظفهم ليقاتل… صحافيا.
الكتابة حين تصبح بديلاً للمساءلة
ما سمي المجلس الوطني للصحافة يعيش أسوأ لحظاته، بل عمليا نهايته، ونهاية كيف صيغ والمراد منه، إن تسريبات لجنة الأخلاقيات، و غياب إجراءات قانونية واضحة، فضلا عن حكامة مهزوزة، وانهيار في الثقة، كل هذا حدث في فترة كان الرجل جزءاً من هندستها أو صمت عنها أو لم يعترض عليها.
السؤال بسيط وواضح يامجاهد وبلا “تفلسيف”:
ماذا حدث داخل المجلس؟
لكن بدلاً من الإجابة، يختار مجاهد الطريق الأسهل: أن يكتب، أن “يحاضر”، أن يعلق على “العصر الرقمي” و”صناعة الفرجة” و”الخوارزميات”، وكأنه مراقب أكاديمي محايد… لا علاقة له بالواقع ولا بالقرارات التي خرجت من تحت سلطته ذات يوم.
إنه، يكتب عندما ينبغي أن يعتذر، ويصمت عندما ينبغي أن يشرح.
الهروب عبر المفاهيم… لا عبر الأبواب
خطابه الثقافوي ليس بريئاً، بل غطاء، ففي كل مرة يكثر فيها التنظير، يتقلص فيها الشرح، و كلما توسع في ذكر ماركيوز، اختفى الحديث عن المسؤوليات، وكلما تحدث عن “صناعة التفاهة”، تجنب الحديث عن صناعة الأخطاء داخل المجلس.
فالرجل، في نهاية المطاف، لا يناقش “المشهد الإعلامي” بل يناقش صورة يونس مجاهد.
المؤسسات لا ترمم بمقالات… بل بمواقف
المجلس الوطني للصحافة ليس قاعة محاضرات، هو مؤسسة دستورية تعطلت بوصلتها، وفقد جزءاً من ثقة الصحافيين، وتحتاج إلى مساءلة واضحة: من اتخذ القرارات؟ من وجه الاتهامات دون مساطر؟ ومن حول لجنة حماية الأخلاق المهنية إلى أداة تهديد للصحافيين؟ ومن أظهر أنه يستقوي بمؤسسات، ومن أظهر وأظهر وأظهر..
إلى الآن، نحن فعليا وعمليا، أمام لا جواب.
لأن مجاهد يفضل الهروب إلى الأمام بمقالات ثقيلة المفردات، خفيفة على الحقيقة.
اللحظة التي تكشف
اللحظة اليوم ليست لحظة فلسفة، مع تقديرنا للفلسفة وحبنا المزمن لها، وخاصة باعتبارها “فلسفة ليست للتفسير بل للتغيير” بل ولاقصى درجات لحظة وضوح.
ليس مطلوباً من يونس مجاهد أن يشرح أدورنو… بل أن يشرح نفسه. أن يعترف بما جرى، أن يحدد المسؤوليات، وأن يمارس نقداً ذاتياً يليق بمن قضى سنوات في قيادة هذا الحقل.
لكن إلى أن يحدث ذلك، ستبقى كتاباته مجرد محاولة بائسة لإخفاء عطب مؤسساتي خلف سحابة من المفاهيم النظرية.
المشكلة ليست أن يونس مجاهد يكتب. بل أنه يكتب عن كل شيء… إلا الشيء الوحيد الذي يجب أن يكتب عنه.