
من الادخار إلى الاستثمار… تحول بطيء في عقلية المغاربة
ظل المغاربة لعقود ينظرون إلى العقار باعتباره الملاذ الأكثر أماناً لحماية المدخرات، حتى ترسخت قناعة مفادها أن “الحجر لا يخسر”، غير أن السنوات الأخيرة بدأت تكشف عن تحول تدريجي، تقوده فئة من الشباب الذين لم يعودوا يكتفون بإيداع أموالهم في الحسابات البنكية أو انتظار فرصة اقتناء شقة، بل أصبحوا يوجهون أنظارهم نحو بورصة الدار البيضاء باعتبارها أداة لبناء الثروة على المدى الطويل.. ويأتي هذا التحول في سياق اقتصادي يشهد توسعاً في استخدام الوسائل الرقمية، وارتفاعاً في الوعي بالاستثمار المالي، إلى جانب تراجع جاذبية بعض أدوات الادخار التقليدية في مواجهة التضخم.
سوق مالية تنمو… لكن المستثمر الفرد لا يزال الحلقة الأضعف
شهدت بورصة الدار البيضاء خلال العامين الأخيرين أداءً لافتاً، إذ تجاوزت رسملتها السوقية حاجز “ألف مليار درهم”، مسجلة مستوى تاريخياً جعلها ثاني أكبر بورصة في إفريقيا من حيث القيمة السوقية، كما واصل مؤشر “MASI” تسجيل مستويات قياسية مدعوماً بتحسن نتائج الشركات المدرجة وعودة المستثمرين الأفراد إلى السوق، محققاً مكاسب قاربت 27.6%،
غير أن هذه الأرقام تخفي مفارقة لافتة.. فالمغاربة ما زالوا يفضلون الادخار على الاستثمار، وتشير معطيات بنك المغرب إلى أن ودائع الأسر لدى البنوك تبلغ مئات المليارات من الدراهم، بينما تظل نسبة ضئيلة فقط من هذه الأموال تتجه نحو سوق الرساميل، فوفق تصريح المدير العام لبورصة الدار البيضاء طارق السنهـاجي لوكالة رويترز، فإن أقل من 1% من المغاربة فقط يشاركون في الاستثمار بالبورصة ما يعني أن جزءاً مهماً من الثروة الوطنية يبقى خارج دوائر الاستثمار المنتج.
لماذا يتردد المغاربة في شراء الأسهم؟
لا يرتبط ضعف الإقبال على البورصة بغياب الفرص الاستثمارية بقدر ما يرتبط بغياب الثقافة المالية، فالكثير من الأسر لا تزال تنظر إلى الأسهم باعتبارها مقامرة، في حين أن الاستثمار فيها يقوم أساساً على دراسة أوضاع الشركات وتنويع المحافظ والاحتفاظ بالأصول لفترات طويلة.
وتؤكد الهيئة المغربية لسوق الرساميل أن نشر الثقافة المالية أصبح أولوية استراتيجية، معلنة عن إطلاق مبادرات لتعزيز التوعية وإنشاء مرصد خاص بادخار الأسر واستثماراتها، بهدف فهم سلوك المستثمرين وتشجيع مشاركة الأفراد في السوق المالية.
العقار… منافس تاريخي يصعب تجاوزه
ورغم الزخم الذي تعرفه البورصة، فإن العقار لا يزال يحتفظ بمكانته في المخيال الجماعي للمغاربة، ويعزو اقتصاديون ذلك إلى عوامل ثقافية واجتماعية أكثر منها اقتصادية، فامتلاك منزل يعتبر رمزاً للاستقرار، بينما يُنظر إلى تقلبات أسعار الأسهم باعتبارها مصدر قلق، رغم أن الدراسات الدولية تؤكد أن الاستثمار طويل الأجل في الأسواق المالية يحقق، في كثير من الحالات، عوائد تفوق أدوات الادخار التقليدية.
كما أن محدودية عدد الشركات المدرجة، وضعف سيولة بعض الأسهم، وغياب المعرفة بأساسيات الاستثمار، كلها عوامل تحد من توسع قاعدة المستثمرين الأفراد، رغم الإصلاحات التنظيمية التي شهدها السوق خلال السنوات الماضية، وتعمل بورصة الدار البيضاء على تطوير أدوات جديدة، من بينها سوق المشتقات المالية، بهدف تحسين السيولة وجذب فئات جديدة من المستثمرين.
الرهان الحقيقي… ليس على البورصة بل على الثقافة المالية
تكشف التجربة المغربية أن تطوير سوق الرساميل لا يتوقف عند تحقيق أرقام قياسية في الرسملة أو صعود المؤشرات، بل يرتبط بقدرة الدولة والمؤسسات المالية على تحويل ملايين المدخرين إلى مستثمرين واعين، فاقتصاد يعتمد بشكل كبير على الادخار غير المنتج يفقد جزءاً مهماً من قدرته على تمويل الشركات وخلق فرص الشغل.
لذلك، فإن مستقبل بورصة الدار البيضاء لن يُقاس فقط بعدد الشركات المدرجة أو بحجم التداولات، بل بمدى نجاح المغرب في ترسيخ ثقافة استثمارية جديدة، تجعل المواطن ينظر إلى شراء سهم في شركة منتجة باعتباره استثماراً في الاقتصاد الوطني، لا مغامرة محفوفة بالمخاطر، وعندها فقط يمكن القول إن البورصة نجحت في كسر احتكار العقار لعقلية الادخار المغربية، وفتحت الباب أمام جيل جديد يرى في الأسواق المالية وسيلة لبناء الثروة، لا مجرد شاشة تتقلب عليها الأسعار.





