
لم تعد رقمنة وسائل الأداء خيار تقني محض، بل تحولت إلى مسار تُدفع إليه قطاعات حيوية، من بينها التعليم الخصوصي، باعتباره أحد أكثر القطاعات الاحتكاك اليومي بالأسر المغربية، وفي هذا السياق، جاءت الشراكة المعلنة بين ضمان كاش والفيدرالية الوطنية للتعليم الخاص لتفتح نقاش أوسع حول حدود هذا التحول هل نحن أمام خدمة تُيسر حياة المواطن، أم أمام آلية جديدة قد تُراكم الكلفة وتُعيد إنتاج الاختلالات نفسها بصيغ رقمية؟
تقوم هذه الشراكة على إدماج مؤسسات التعليم الخصوصي في منظومة الأداء الرقمي، من خلال توفير أجهزة الأداء الإلكتروني، وخدمات الدفع عبر الإنترنت، والرموز السريعة (QR Code)، والتطبيقات المحمولة، إضافة إلى أدوات لتتبع العمليات المالية. من حيث المبدأ، يُفترض أن تُساهم هذه الحلول في تقليص التعامل النقدي، وتحسين التتبع، وتوفير إثباتات أداء واضحة، وهي مطالب طالما رفعتها الأسر في مواجهة غموض بعض المساطر المالية داخل المدارس الخاصة.
مزايا محتملة… إن وُضِعت في خدمة الأسرة
من أبرز الإيجابيات التي يمكن أن تحققها رقمنة الأداء، إذا تم تفعيلها بنزاهة، تمكين الأسر من تتبع مصاريفها المدرسية بدقة، والحد من النزاعات المرتبطة بالواجبات أو الأداءات غير الموثقة. كما يمكن لهذه الآليات أن تُخفف عن الآباء عبء التنقل المتكرر، خاصة بالنسبة للأسر العاملة أو القاطنة بعيدًا عن المؤسسات التعليمية.
كما أن تقليص الاعتماد على “الكاش” من شأنه أن يُعزز الشفافية داخل المؤسسات التعليمية، ويُوفر معطيات دقيقة حول التدفقات المالية، وهو ما قد يشكل مدخلًا لتحسين الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في قطاع ظل، لسنوات، خارج أي رقابة فعلية على تسعير خدماته.
رأي جمعية الآباء: نعم للرقمنة… بشرط حماية الأسر
في هذا السياق، عبّرت فعاليات من جمعيات آباء وأولياء التلاميذ عن ترحيبها المبدئي بأي خطوة من شأنها تنظيم الأداءات المالية داخل مؤسسات التعليم الخصوصي، معتبرة أن الرقمنة قد تشكل أداة إيجابية لتقليص النزاعات وضمان التتبع والشفافية.
غير أن هذه الجمعيات شددت، في المقابل، على ضرورة ألا تتحول وسائل الأداء الرقمي إلى ذريعة لفرض رسوم إضافية على الأسر، مؤكدة أن أي كلفة مرتبطة بالخدمات الإلكترونية يجب أن تتحملها المؤسسات التعليمية، لا أولياء الأمور، ما دام الأداء المدرسي يُعد حقًا وليس خدمة إضافية.
كما دعت جمعيات الآباء إلى إشراكها في أي قرار يتعلق بتغيير طرق الأداء، وضمان توفير بدائل للأسر التي لا تتوفر على وسائل رقمية أو تعاني من صعوبات في الولوج إليها، تفاديًا لأي شكل من أشكال الإقصاء أو الضغط غير المبرر على العائلات
أعطاب بنيوية… حين تتحول الرقمنة إلى عبء
غير أن هذه الإيجابيات تبقى رهينة بشرط أساسي ألا تتحول الرقمنة إلى كلفة إضافية تُحمَّل للأسر. فالتجارب السابقة أظهرت أن إدخال خدمات جديدة غالبًا ما يُرافقه فرض رسوم إضافية، سواء تحت مسمى “خدمة إلكترونية” أو “مصاريف تسيير”، دون أي أثر ملموس على جودة التعليم أو تخفيف الأعباء المالية.
كما يطرح هذا التحول إشكالية الفجوة الرقمية، إذ لا تتوفر جميع الأسر على الوسائل أو الكفاءة الرقمية نفسها، ما قد يُقصي فئات اجتماعية معينة، أو يدفعها إلى تحمل عناء إضافي لمجرد أداء واجب مدرسي، كان يفترض أن يبقى حقًا بسيطًا وغير معقد.
إلى ذلك، تبرز مخاوف جدية مرتبطة بـ حماية المعطيات الشخصية والمالية للأسر والتلاميذ، خاصة في ظل تزايد الهجمات السيبرانية وضعف الوعي الرقمي لدى جزء من المستعملين، ما يستوجب وضوحًا أكبر حول آليات التأمين والمسؤوليات القانونية في حال وقوع اختلالات.
السؤال الجوهري: من المستفيد الحقيقي؟
يبقى السؤال المركزي المطروح اليوم هل ستُستثمر هذه الرقمنة في خدمة الأسرة، عبر تبسيط الأداء وضمان الشفافية، أم ستستعمل كواجهة تقنية تُخفي استمرار اختلالات أعمق، تتعلق بغياب ضبط الأسعار، وتفاوت جودة الخدمات، وضعف حماية المستهلك في قطاع التعليم الخصوصي؟
إن أي تحول رقمي لا يُقاس بعدد الأجهزة أو التطبيقات، بل بمدى عدالته الاجتماعية، وقدرته على حماية مصلحة المواطن، لا على تحميله كلفة تحديث لم يكن شريكًا حقيقيًا في صياغته، ومن دون إطار تنظيمي واضح، ومراقبة فعلية، فإن خطر تحويل الرقمنة إلى عبء إضافي يظل قائمًا، مهما كانت الشعارات المرفوعة.
اقرأ أيضا…
التعليم الخاص في المغرب.. حين تتحول المدارس إلى شركات للابتزاز المقنن




