الرئسيةرأي/ كرونيك

حين لا تكون الكارثة طبيعية… بل سياسية

بقلم: هدى سحلي

في كل مرة تضرب فيها فيضانات أو زلازل أو موجات جفاف، يُسارع البعض إلى التخفيف من حجم المسؤولية عبر المقارنة: حتى الدول المتقدمة تعرف كوارث طبيعية تودي بحياة العشرات. لكن هذه المقارنة، في السياق المغربي، تُخفي جوهر المشكلة بدل أن تشرحها.

الفرق شاسع بين كارثة طبيعية وكارثة بشرية تُنتجها سياسات عمومية فاشلة

فالفرق شاسع بين كارثة طبيعية تضرب دولة استعدّت لها، وكارثة بشرية تُنتجها سياسات عمومية فاشلة، وتدبير مرتجل، وغياب حقيقي للجاهزية، كان من نتائجه المفجعة، وفاة أزيد من 60 مواطنا ومواطنة غرقا في فيضانات مدينة آسفي، حسب تصريحات أدلى بها السكان ممن شاركوا في انتشال جثث الضحايا لوسائل الإعلام.

المغرب ليس بلدا يفاجَأ بالكوارث. نحن نعرف جيدا موقعنا الجغرافي، وندرك أننا في منطقة معرضة للزلازل، للفيضانات، للتصحر، وللجفاف. هذا ليس اكتشافا جديدا ولا معطى طارئا. ومع ذلك، تتكرر المآسي بالمنطق نفسه: ضحايا بالعشرات، ارتباك في التدخل، غياب أو تأخر وسائل الإنقاذ، وبيانات تعزية تُغلق النقاش بدل أن تفتحه.

نحن أمام كارثة مسؤوليات لا كارثة طبيعية فقط

ما حدث في الحوز، وما عاشته طاطا، وما تشهده اليوم آسفي المكلومة، لا يمكن اختزاله في “غضب الطبيعة”. حين تغرق أحياء كاملة، وحين يُترك الناس لساعات أو أيام دون إنقاذ فعلي، وحين نكتشف أن المنطقة لا تتوفر على معدات طوارئ كافية، ولا مروحيات، ولا فرق متخصصة في البحث والإنقاذ، فإننا نكون أمام كارثة مسؤوليات لا كارثة طبيعية فقط.

الدولة التي تعرف المخاطر المتوقعة، ولا تُؤهِّل بنيتها التحتية وفقها، ولا تستثمر في تقوية الحماية المدنية، ولا تربط التخطيط العمراني بمنطق الوقاية، هي دولة تُعرّض مواطنيها للموت. الطرق غير المهيأة، قنوات الصرف الغائبة أو المسدودة، البناء في مجاري الوديان، ضعف مراقبة احترام معايير السلامة… كلها اختيارات سياسية، أو بالأحرى نتائج غياب الاختيار الاستراتيجي.

المفارقة أن الخطاب الرسمي يتحدث عن استراتيجيات وطنية لإدارة مخاطر الكوارث، وعن مخططات للتكيف مع التغيرات المناخية، لكن هذه السياسات تبقى حبيسة الوثائق والتقارير، ولا تتحول إلى جاهزية ميدانية ملموسة على المستوى المحلي. فالخطة التي لا تصل إلى القرى، ولا تُترجم إلى معدات وفرق مدربة، ليست سياسة، بل مجرد إعلان نوايا.

منطق المحاسبة يغيب بعد كل فاجعة

الأخطر من ذلك أن منطق المحاسبة يغيب بعد كل فاجعة. لا نرى تحقيقات علنية حول أسباب التأخر في التدخل، ولا مساءلة حقيقية حول تجهيزات الطوارئ، ولا تقييما شفافا لمدى جاهزية الأقاليم المعرضة للمخاطر. تُطوى الصفحة بسرعة، في انتظار كارثة جديدة، وضحايا جدد.

إن حماية الأرواح ليست ترفا، ولا ملفا ثانويا، بل هي جوهر العقد بين الدولة والمجتمع. والدولة التي تفشل في الوقاية، ثم تعجز عن الإنقاذ، لا يمكنها الاحتماء بلغة القدر والطبيعة.

ما نحتاجه اليوم ليس فقط التعاطف مع الضحايا، بل سياسة عمومية شجاعة:

سياسة تجعل الوقاية أولوية،
وتربط التخطيط الترابي بالمخاطر الحقيقية،
وتستثمر في الإنسان قبل الحجر،
وتضع المحاسبة في قلب تدبير الكوارث.لأن الكارثة الطبيعية قد تكون قدرا،
لكن تحويلها إلى مأساة إنسانية…
ذلك قرار بشري كامل المسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى