
“البحر هناك” لسعيد حميش “نور”: قراءة ميثولوجية
بقلم: محمد بكريم الكاتب والناقد السينمائي
هناك تمرين أولي ذي بعد بيداغوجي يتم توظيفه لمقاربة فيلم معين كسرد سينمائي. ويتعلق الأمر بإنجاز مقارنة درامية (السيناريو) وجمالية (الإخراج) بين مشهد الافتتاح ومشهد الاختتام. مما ينتج عنه مقاربة، من جهة، تطور الشخصية ومن جهة أخرى تسمح برصد العناصر السينمائية المجسدة لهذا التطور (أو عذمه).
نكتشف في مشهد الافتتاح “نور” وحيدا على متن باخرة
ولنا في فيلم سعيد حميش (حاليا في القاعات المغربية) نموذج تطبيقي بليغ. حيث نكتشف في مشهد الافتتاح “نور” وحيدا على متن باخرة (سنعرف فيما بعد أنه “حراك” يعبر مضيق المتوسط). ونكتشفه في المشهد الختامي (يبدأ بطريقة جميلة بفتح الباب) وهو يلج بيتا فيه حفل سرعان ما يندمج مع شخوصه التي سبق أن تعرفنا عليها.

هل هناك تطور في الشخصية؟ هناك عنصر بسيط وعميق الدلالة يفيد في هذا الاتجاه. إنه عنصر بصري يتعلق بلباس نور: لأول مرة نشاهده يرتدي لباسا، تريكو، بلون فاتح قريب من البياض.
هذا التحول وانطلاقا من مشهد البحر (المشهد قبل التحول) جعلني أفكر منذ مشاهدتي الثانية للفيلم ان أربط بين شخصية نور وإحدى الشخصيات الميثولوجية،
نعم، يقدم فيلم “البحر البعيد” (أفضل أن اترجم ب “البحر هناك”) مادة غنية جدا، سمعية-بصرية ودرامية، لتطبيق هذه المقاربة، بل إن شخصية “نور” هي تجسيد حي للبطل “الأوليسي” (نسبة إلى أوديسيوس) الذي يصارع بين قوى البناء والاندماج وقوى الضياع والتلاشي.
هنا محاولة في تحليل لشخصية “نور” كصورة- “figure”- ميثولوجية عبر البراديغم المؤسس: إيروس وثاناتوس وكإحالة إلى الميثولوجيا المعاصرة:
في الأسطورة الحديثة “إيثاكا” ليست المكان الذي جئت منه، بل هي المكان الذي تحاول الانتماء إليه

تتأسس مشروعية هذه المقارنة من عنوان جنيريك يلخص البرنامج السردي للشخصيتين: البحث عن وطن. تماما كما قضى أوديسيوس سنوات في البحر باحثاً عن طريق العودة أو عن “إيثاكا”، يبدأ نور رحلته بعبور البحر (صدفة سيناريستية؟:
تستغرق كلتا الرحلتين عشر سنوات). لكن في الأسطورة الحديثة، “إيثاكا” ليست المكان الذي جئت منه، بل هي المكان الذي تحاول الانتماء إليه.
في الحكايتين يحضر البحر كعتبة ميثولوجية (أليس المتوسط موطن الميثولوجيا؟) ولكن بحر سعيد حميش ليس مجرد مسافة جغرافية (المضيق)، بل هو “البرزخ” الذي يفصل بين الهوية القديمة والهوية الجديدة.
وتشكل الهوية (تأسيس هوية جديدة) سؤال محوري في سيناريو حياة نور التي تصطدم بإشكال “التحول/ الميتامورفوز” (إقامة المتحولين جنسيا) أو عندما يضطر لتبني اسم “بابلو”، فإنه يعيد إنتاج تكتيك أوديسيوس عندما قال للعملاق إنه يدعى “لا أحد” (personne).
هذا التخلي عن الاسم هو تضحية بالذات القديمة (نوع من الموت الرمزي) من أجل البقاء.

كيف تحضر ثنائية “ايروس”- إله الحب والرغبة: و” ثناتوس”- تجسيد الموت في هذا السيناريو؟ ايروس يحيلنا الى كل العناصر المضيئة في حياة نور. وفي المقدمة اذكر الدور المحوري للموسيقي، لموسيقى الراي بالتحديد. يتم توظيفها بذكاء لتحضر ك “صلاة” أو تعويذة تمنح نور القوة للحياة. هي الرابط الذي يجمعه بمجتمعه وبجذوره، وهي القوة التي تمنحه شعوراً بالوجود والنشوة وسط قسوة الغربة.
تحضر الموت او العتمة التي تحيل إلى ثناتوس على ثلاث مستويات
ثم هناك المرأة. واقصد العلاقة مع “نويمي” التي بدأت ملتبسة ابان حضور “سرج” ثم ستشكل الفاعل الإيروسي، هي القوة التي تحاول شده نحو الحياة المستقرة والاندماج، وهي تجسيد لـ “إيروس” الذي يحاول لملمة شتات روحه المكسورة بفعل الهجرة غير الشرعية.
في المقابل تحضر الموت او العتمة التي تحيل إلى ثناتوس على ثلاث مستويات يجمع بينها الهوية المحترقة و العودة المستحيلة.
• حرق جواز السفر (فعل ثاناتوسي): حرق الجواز هو مشهد جنائزي بامتياز. هو قتل للهوية الرسمية، ودخول في حالة “اللاشيء” أو العيش كشبح في مدينة مارسيليا. هنا تظهر غريزة الموت ليس كفناء جسدي، بل كفناء قانوني واجتماعي.
• موت “شاب حسني”: يمثل خبر مقتل الشاب حسني في الفيلم لحظة انكسار “إيروس” الجمعي للمهاجرين. هو موت الرمز الذي كان يغذي رغبتهم في الحياة، مما يدفع نور أكثر نحو العزلة واليأس.
• مأساة العودة: عندما يعود نور إلى وجدة، يكتشف أن “إيثاكا” (الوطن) قد تغيرت، وأنه هو نفسه أصبح غريباً فيها. هذا الفشل في العودة هو قمة التراجيديا؛ حيث يجد البطل نفسه عالقاً في “المنطقة الرمادية” بين حياة لا يملك أوراقها (فرنسا) وماضٍ لم يعد ينتمي إليه (المغرب).

كيف يتحقق التحول الذي وضعناه منهجيا كعنصر مكون لهذه المقاربة ومعنى اللباس ذي اللون الفاتح في ترجمة هذا التحول؟
لنشير أولا الى هذا الاختيار الموفق في تسمية البطل: “نور”، ولكنه طوال الفيلم كان يعيش في “العتمة” الرمادية للهامش، للاختباء، وللقلق الوجودي. الألوان الداكنة التي كان يرتديها تعكس رغبته في الاختفاء عن أعين السلطة، وهي ألوان “الموت الرمزي” للشخص الذي لا يملك هوية. منطق ثاناتوس (الظل)
وارتداؤه للون الفاتح (القريب من البياض) في النهاية هو إعلان ولادة. كأنه نسيج جديد يُغلف جسده بعد أن انسلخ من جلده القديم كـ “حراق” أو مهاجر سري. هنا، يتطابق الاسم (نور) مع المظهر (البياض). إيروس (الضوء)
في التراجيديا الإغريقية، يصل البطل في النهاية إلى مرحلة “التطهير”. اللون الأبيض أو الفاتح يرمز ميثولوجياً إلى “النقاء المستعاد” بعد المعاناة. رغم أن ملامحه الخارجية لا تزال تحمل ثقل السنين (الرصانة أو الجمود)، إلا أن ثيابه تتحدث نيابة عنه. هذا “البياض” هو السلام الذي وجده أخيراً بعد صراع طويل بين رغبته في العودة وواقع العيش في “البحر البعيد”.
ونجاح الفيلم يتجلى في كونه “كتب” نقده وكان عنصر محفز لهذه القراءة مجسدا انتمائه الى السينما. السينما التي تجعل من قطعة ثياب (تريكو فاتح) بياناً ختامياً لملحمة إنسانية كاملة. لقد انتقل نور من كونه “موضوعاً” تتقاذفه الأمواج، إلى “ذات” تمتلك نورها الخاص.






