
وُضع على المقاس..شوكي: صدى وليس قيادة
ليس ما يجري داخل حزب التجمع الوطني للأحرار سوى فصل جديد من فصول العبث بالحياة السياسية في المغرب.
بقلم: أحمد دابا
حزب تأسس في كنف السلطة
نحن للدكر، أمام حزب تأسس في كنف السلطة، على يد أحمد عصمان صهر الملك الراحل الحسن الثاني، يجد نفسه اليوم أمام “تجديد” شكلي لا يخفي حقيقة واحدة: استمرار منطق الأخنوشية، لا أكثر ولا أقل، مع احتمال يرجح أكثر، انتهى زمن الأحرار على الاقل فيما سيأتي بعد الانتخابات القادمة.
اسم محمد شوكي الذي يُدفع به إلى الواجهة لا يحمل أي معنى سياسي، إذ هو بلا تاريخ نضالي، لا تجربة حزبية، لا رؤية فكرية، ولا حتى كاريزما قيادية يمكن البناء عليها.
إن البحث في سيرته لا يقود إلا إلى عالم المال والاستثمار: مناصب عليا داخل مجموعة الإمارات الدولية للاستثمار بأبوظبي، ثم إدارة تنفيذية لهولدينغ “أي دي كابيتال” بالمغرب، أي مسار يصلح لإدارة المحافظ المالية، لا لإدارة حزب سياسي، هو من يقود الائتلاف الحكومي، والذي، يفترض فيه تأطير المواطنين وصياغة الخيارات العمومية.
سياسيا، نحن أمام شخص بلا سياسة، تنقل بين الأحزاب دون كلفة، من “البام” إلى “الأحرار”، في انتقال يختزل العمل الحزبي في منطق القرب من السلطة والمال، لا في الاختلاف حول المشاريع والرؤى.
وُضع على المقاس ليكون صدى صوت عزيز أخنوش
عميليا، لم يُستدع محمد شوكي ليقود أو يحسم أو يواجه، بل وُضع على المقاس ليكون صدى صوت عزيز أخنوش، وضمانة لاستمرار نفوذه بعد خروجه الشكلي من الواجهة.
هذا الاختيار لا يمكن فصله عن السياق الثقيل الذي يجره الحزب. فـالتجمع الوطني للأحرار لم يخرج من تجربته الحكومية مثقلاً بالإصلاحات، بل مثقلا بفضائح تضارب المصالح التي طالت رئيسه واثنين من أبرز وزرائه: وزير الصحة، في قضية المستخدم السابق لزوجته، ووزير التعليم، سعد برادة، الذي جرى تنصيبه على رأس قطاع استراتيجي دون أي مشروعية سياسية أو بيداغوجية واضحة، إنها فقط مثالين لوقائع ليست عرضية، بل كاشفة لطبيعة الحزب: فضاء لتداخل المال بالسلطة، لا لإنتاج القرار العمومي، وفضاء لتوزيع المنافع لا للنهوض بالبلد.
تفريغ السياسة من مضمونها
إن الدفع بوجوه تقنية بلا روح سياسية هو تعبير صريح عن مشروع أخطر: تفريغ السياسة من مضمونها، هذا إذا كان فعلا بقي فيها مضمون، وتحويل الأحزاب إلى واجهات أنيقة لرجال الأعمال، تُستعمل في الانتخابات وتُركن بعدها إلى الهامش.
مشروع يُبقي المؤسسات قائمة شكليا، لكنه يُفرغها من معناها، ويُبقي الدستور حبيس التأويلات التي تمنع أي انتقال حقيقي نحو ربط المسؤولية بالمحاسبة.
نحن أمام مشهد سياسي يُدار بعقلية تقول إن المغرب “تجاوز السياسة”، وإن التدبير التقني والمالي كاف لإدارة مجتمع معقد، متنوع، ومثقل بالهشاشة الاجتماعية والاختلالات البنيوية.
لكن الوقائع تكذب هذا الوهم: لا تنمية بلا سياسة، ولا إصلاح بلا ديمقراطية، ولا ثقة بلا صراع علني بين مشاريع واضحة.
إن الرهان على نماذج من طينة أخنوش، أو على ظلاله الباهتة، ليس سوى رهان على تعميق الأزمة.
فالمغرب لا يحتاج إلى مزيد من رجال الأعمال في السياسة، بل إلى سياسيين يمتلكون الشجاعة والرؤية والقدرة على المواجهة.
أما استمرار هذا المسار، فلن ينتج سوى مزيد من العزوف، ومزيد من القطيعة، ومزيد من التآكل البطيء أحيانا، والسريع أحيانا أخرى، لما تبقى من معنى العمل السياسي.
لإشارات الثلاث: حين تتكلم الدولة بلغة مزدوجة
ليس وضع هذا المسمى محمد شوكي على رأس واجهة حزب التجمع الوطني للأحرار تفصيلا عابرا، ولا اختيارا تقنيا بريئا، هو فعل سياسي محمل بثلاث رسائل واضحة، وإن بدت متناقضة في ظاهرها، فإنها منسجمة تماما في منطق الدولة كما يُدار اليوم.
الإشارة الأولى:
أن الدولة لن تراهن سياسيا على حزب الأحرار في المرحلة المقبلة. فالدفع بشخص بلا وزن سياسي، ولا قدرة على الحسم أو التعبئة، يعني عمليا وضع الحزب في وضعية انتظار، لا في موقع قيادة أو مبادرة، هو إخراج ناعم من دائرة الرهان، دون إعلان قطيعة صريحة.
الإشارة الثانية:
وفي الوقت نفسه، تؤكد الدولة أنها لن تتراجع عن العقيدة التي جاء بها أخنوش: أن السياسة كما كانت قد انتهت، وأن تصدر رجال الأعمال المشهد لم يعد خيارا ظرفيا، بل اتجاها استراتيجيا لا رجعة فيه، تغيير الواجهة لا يعني تغيير المنطق، بل فقط إعادة توزيعه بأدوات أقل كلفة سياسيا.
الإشارة الثالثة:
أن الحل والعقد ليسا في الأحزاب أصلا. فالدولة، في تصورها الحالي، تعتبر أنها الأدرى بما يحتاجه المغرب، وأن السياسة الحزبية لم تعد سوى هامش تدبيري، لا فضاء لصناعة القرار، وهو ما يفسر هذا الإصرار على إنتاج نخب بلا سياسة، تُستعمل لتزكية اختيارات جاهزة، لا لمناقشتها.
قد تبدو هذه الإشارات متناقضة: كيف يُهمش حزب، ويُؤكّد في الآن نفسه منطق قاده؟ كيف تُبعث رسالة انسحاب دون التخلي عن العقيدة التي أسسته؟
لكنها ليست متناقضة إطلاقا في منطق رجالات الدولة الحاليين: الأحزاب تُستبدل، الوجوه تُغيّر، أما الخيار الجوهري، تحييد السياسة وتعويضها بالتدبير المالي،فثابت.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: دولة تُدير السياسة من خارج السياسة، وتُبقي الديمقراطية كزينة دستورية، لا كأداة فعلية للتغيير. وهو رهان قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يلغي كلفته.





