أعادت الوضعية المزرية للمجزرة البلدية بعين قادوس بمدينة فاس، إلى الواجهة، نقاش تدبير المرافق العمومية الحيوية، بعد تداول صور ومقاطع فيديو صادمة على مواقع التواصل الاجتماعي، توثق اختلالات خطيرة تمس شروط السلامة الصحية والغذائية، ما فجّر موجة انتقادات لاذعة في حق عمدة المدينة عبد السلام البقالي ومسؤولي المصالح الجماعية.
Screenshot
الصور المتداولة، التي أظهرت تراكم النفايات، وانتشار الكلاب الضالة، وغياب شروط النظافة والمراقبة، وضعت المجلس الجماعي أمام مساءلة أخلاقية وإدارية، خاصة أن المجزرة تُعد مرفقاً حساساً يرتبط بشكل مباشر بصحة المواطنين.
مراسلات مُهمَلة وشكايات بلا أثر
وحسب معطيات متطابقة، فإن العمدة كان قد توصل، منذ عدة أشهر، بمراسلات وشكايات رسمية من أعضاء ومستشارين داخل المجلس، إضافة إلى تنبيهات مهنية متكررة من مهنيي القطاع، تحذر من تدهور وضعية المجزرة، غير أن تلك المراسلات لم تُترجم إلى تدخل فعلي يعالج الاختلالات المتراكمة.
هذا التجاهل، وفق فاعلين محليين، ساهم في تفاقم الوضع، وجعل العمدة في قلب عاصفة من الاتهامات بالتهاون وسوء التقدير، خاصة مع استمرار المجزرة في الاشتغال في ظروف لا تستجيب للمعايير الصحية المعمول بها.
احتجاج الجزارين يكشف المستور
الاحتجاجات التي خاضها الجزارون والمستخدمون بالمجزرة لم تكن، حسب تعبيرهم، سوى “صرخة أخيرة” بعد سنوات من التدبير المرتبك، حيث كشف المحتجون عن أعطاب بنيوية وتنظيمية، وسوء في التسيير اليومي، وغياب الصيانة الدورية، فضلاً عن ضعف المراقبة من طرف المصالح المختصة.
وأكد المحتجون أن الوضع داخل المجزرة لم يعد مقبولاً، لا مهنياً ولا صحياً، محملين الإدارة والجماعة مسؤولية تعريض صحة المواطنين للخطر، في ظل استمرار ذبح اللحوم وتوزيعها في بيئة تفتقر لأبسط شروط السلامة.
إعفاء مدير… هل هو كافٍ؟
في محاولة لامتصاص الغضب، أقدم العمدة على إعفاء مدير المجزرة من مهامه، غير أن هذا القرار قوبل بتشكيك واسع، حيث اعتبرته فعاليات محلية “خطوة معزولة” لا ترقى إلى مستوى حجم الاختلالات المطروحة.
ويرى متتبعون أن المشكل أعمق من شخص مدير، ويتعلق بمنظومة تدبير جماعي تعاني من اختلالات بنيوية، وغياب رؤية واضحة لإصلاح المرافق العمومية، واعتماد حلول ترقيعية بدل معالجة جذرية.
غياب الشرطة الإدارية يطرح أكثر من علامة استفهام
أثارت وضعية المجزرة، كذلك، تساؤلات حادة حول دور الشرطة الإدارية والمصالح الجماعية المختصة، التي يُفترض أن تقوم بمهام المراقبة والزجر وتتبع شروط السلامة الصحية، خاصة في مرفق من هذا الحجم والحساسية.
ويطرح متابعون السؤال حول أسباب هذا الغياب، وما إذا كان الأمر يتعلق بضعف الإمكانيات، أم بتراخٍ في أداء الواجب، أم بمنطق “غض الطرف” الذي طبع تدبير عدد من المرافق الجماعية بفاس.
أزمة تدبير تتجاوز المجزرة
وحسب فعاليات محلية، فإن ما تعيشه مجزرة عين قادوس ليس حالة معزولة، بل يندرج ضمن سياق أوسع من الإهمال الذي يطال عدة مرافق عمومية بالمدينة، من بينها سوق التمر، وسوق الجلد، وسوق الجملة، والتي تعاني بدورها من اختلالات تنظيمية وتدبيرية مزمنة.
وتُحمّل هذه الفعاليات المسؤولية للعمدة ومجلسه، متهمة إياهم بتدبير شؤون المدينة بمنطق عشوائي يفتقر للتخطيط والاستباق، ويُفرغ مفهوم “القرب من المواطن” من مضمونه الحقيقي.
مطالب بإصلاح جذري وربط المسؤولية بالمحاسبة
في ظل هذا الوضع، تتعالى الأصوات المطالبة بفتح تحقيق إداري وتقني شامل حول ما آلت إليه المجزرة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع وضع برنامج إصلاحي واضح يعالج الأعطاب البنيوية والتنظيمية، ويضمن احترام المعايير الصحية وحماية صحة المواطنين.
فبالنسبة لعدد من المتابعين، لم يعد مقبولاً أن تبقى مرافق عمومية حيوية رهينة التدبير الارتجالي، في مدينة بحجم فاس، يفترض أن تكون نموذجا في الحكامة وجودة الخدمات، لا عنواناً للأزمات المتكررة.