الرئسيةمجتمع

تقرير حقوقي: فيضانات 2026 بالمغرب، اختبار الدولة في حماية الحقوق

تحرير: هدى سحلي

في شتاء 2026، لم تكن التساقطات المطرية الغزيرة مجرد حدث مناخي عابر، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع على تدبير الكوارث الطبيعية. فقد شهدت مناطق واسعة من شمال المغرب، من القنيطرة إلى الحسيمة، فيضانات خلفت أضرارا مادية جسيمة، ووضعت حقوق المواطنين في قلب النقاش العمومي.

وفي هذا السياق، أصدرت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تقريرا حقوقيا شاملا، يرصد مختلف مراحل التدخل العمومي، من الاستباق إلى الاستجابة، وصولا إلى جبر الضرر، مع تقييم مدى احترام الحقوق الأساسية خلال هذه الأزمة.

حقوق صمدت… وأخرى اهتزت

*الحق في الحياة:

نجاح استباقي رغم خطورة الوضع، سجل التقرير نقطة إيجابية بارزة: غياب خسائر بشرية كبيرة. ويُعزى ذلك إلى التحرك الاستباقي للسلطات، وتعبئة مختلف الأجهزة، مما ساهم في حماية أرواح المواطنين وضمان سلامتهم الجسدية.

*السكن اللائق:

هشاشة البنية تكشف نفسها في المقابل، انهارت منازل عديدة أو أصبحت غير صالحة للسكن في مناطق مثل سيدي قاسم والعرائش وشفشاون. ورغم تدخل السلطات لإيواء المتضررين، فإن حجم الأضرار كشف هشاشة البنية التحتية، خاصة في المناطق القروية والجبلية.

*الحق في المعلومة:

صمت رسمي وانتعاش رقمي سجل التقرير تأخرا في التواصل الحكومي، ما فتح المجال أمام وسائل التواصل الاجتماعي لسد الفراغ. ففي غياب المعلومة الرسمية الدقيقة، تحولت الهواتف الذكية إلى المصدر الأول لنقل الكارثة، بل وساهمت في توجيه تدخلات الإنقاذ.

*التعليم:

ضحية جانبية للأزمة توقفت الدراسة لأيام طويلة دون بدائل فعالة، خصوصا التعليم عن بعد، ما عمّق الفوارق بين التلاميذ، خاصة في المستويات الإشهادية.

*الفئات الهشة:

الأكثر تضررا أكد التقرير أن النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة كانوا الأكثر تأثرا، في ظل غياب مقاربة قائمة على النوع الاجتماعي، رغم الالتزامات الدولية التي يفرضها إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث.

مناطق خارج “خريطة الكارثة” رغم إعلان الحكومة أربع أقاليم كمناطق منكوبة، كشف التقرير عن إقصاء مناطق أخرى، خصوصا في جبال الريف، رغم تعرضها لأضرار كبيرة: انهيار منازل؛ خسائر فلاحية؛عزلة طرقية؛ وصعوبة الولوج للخدمات الصحية والتعليمية هذا الإقصاء، حسب التقرير، يمس بمبدأ المساواة في الاستفادة من الدعم العمومي، ويطرح سؤال العدالة المجالية.

استنتاجات حاسمة: ما الذي كشفته الفيضانات؟

رغم النجاح الذي حققته السلطات العمومية على مستوى التدخل الاستباقي، والذي ساهم بشكل واضح في حماية الأرواح والحد من الخسائر البشرية، فإن هذه التجربة كشفت في المقابل عن مجموعة من الاختلالات البنيوية، أبرزها ضعف السياسات العمومية في مجالي الوقاية والتخطيط، وغياب تنسيق فعلي بين مختلف المستويات الترابية، إضافة إلى قصور في التواصل الرسمي خلال فترات الأزمات، وهو ما أثر سلبا على الحق في الحصول على المعلومة.

كما برزت إشكالية اختلال الإنصاف بين المناطق المتضررة، نتيجة تفاوت في الاعتراف بالأضرار والاستفادة من آليات الدعم والتعويض.

نحو سياسة كوارث قائمة على الحقوق على المستوى الحكومي: توصي المنظمة بوضع خطة وطنية متكاملة لتدبير الكوارث الطبيعية، تقوم على منطق الاستباق بدل الاكتفاء بردّ الفعل، مع تعزيز أنظمة الإنذار المبكر بالمناطق المهددة.

كما تدعو إلى إدماج إشكالية التغيرات المناخية ضمن مختلف السياسات العمومية، وإصلاح منظومة التعمير عبر تشديد مراقبة البناء بالمجالات الهشة والمعرضة للمخاطر.

ضرورة دعم صندوق الكوارث الطبيعية وتوسيع موارده

وتؤكد كذلك على ضرورة دعم صندوق الكوارث الطبيعية وتوسيع موارده بما يضمن استدامته وفعاليته في جبر الأضرار. على المستوى التشريعي: تدعو المنظمة إلى مراجعة القانون رقم 110.14 بما يواكب التحولات المناخية الراهنة، مع تبسيط شروط الاستفادة من آليات التعويض.

كما توصي بسن قانون إطار خاص بالمناطق المنكوبة يحدد بدقة معايير الإعلان عنها وآليات التدخل بها، إلى جانب تفعيل الدور الرقابي للبرلمان لمتابعة أداء الحكومة في تدبير الكوارث الطبيعية وآثارها.

على مستوى الجماعات الترابية: توصي بإدماج المخاطر البيئية ضمن وثائق التخطيط العمراني، وإحداث مراكز إيواء مجهزة تحترم شروط الكرامة الإنسانية، فضلا عن صيانة وتعزيز البنيات التحتية المحلية بما يحدّ من هشاشتها أمام الكوارث الطبيعية.

تقوية الدور الرقابي للمجتمع المدني

على مستوى المجتمع المدني: تدعو إلى تقوية الدور الرقابي للمجتمع المدني في تتبع السياسات المحلية ذات الصلة بتدبير المخاطر، وتعزيز مشاركته في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين، مع تطوير قدراته التنظيمية واللوجستية للتدخل الفعال أثناء وقوع الكوارث.

دعوة إلى إنصاف شامل في ضوء كل ما سبق، خلصت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى توصية مركزية، تفيد بضرورة إصدار قرار حكومي تكميلي يشمل جميع الأقاليم المتضررة دون استثناء، ضمانا للإنصاف، وتمكينا لكل الضحايا من حقهم في التعويض وجبر الضرر.

فيضانات 2026 لم تكن فقط كارثة طبيعية، بل كانت مرآة عكست حدود النموذج التدبيري للكوارث في المغرب. وبين نجاح إنقاذ الأرواح وتعثر إنصاف المتضررين، يبقى التحدي الحقيقي هو بناء سياسة عمومية قادرة على التوقع، لا فقط التفاعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى