
°تحرير بثينة المكودي
أيادٍ تُطعم الاقتصاد… وظهورٌ مُثقلة بالمعاناة
مع أول خيوط الفجر، وقبل أن تستيقظ المدن على ضجيجها اليومي، تكون مئات النساء قد بدأن رحلتهن الطويلة نحو الضيعات الفلاحية الممتدة على أطراف الحقول.
يستقللن شاحنات مهترئة أو سيارات نقل غير مهيأة، يقطعن كيلومترات من القرى والدواوير في صمت ثقيل، قبل أن يبدأن يوم عمل شاق وسط البرد أو الحر، في مشهد أصبح جزءًا من الاقتصاد الفلاحي المغربي.
هؤلاء النسوة، اللواتي يُعرفن في الأوساط المحلية بـ “العاملات الزراعيات” أو “نساء الضيعات”، يشكلن العمود الفقري غير المرئي لسلسلة الإنتاج الفلاحي، خاصة في مناطق الإنتاج الكبرى مثل سوس ماسة والغرب واللوكوس.
عصب خفي للاقتصاد الفلاحي

تلعب النساء دورًا حاسمًا في الدورة الاقتصادية للقطاع الفلاحي بالمغرب.
ففي العديد من الضيعات المخصصة لإنتاج الخضر والفواكه الموجهة للتصدير، تتولى النساء عمليات أساسية مثل جني المحاصيل وفرزها وتوضيبها داخل وحدات التلفيف.
هذه الأعمال، رغم بساطتها الظاهرة، تمثل حلقة محورية في سلسلة القيمة الزراعية التي تساهم في دعم صادرات المغرب نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية.
وتشير تقديرات مهنيين في القطاع إلى أن النساء يشكلن نسبة كبيرة من اليد العاملة الموسمية في الضيعات الفلاحية، خصوصًا في مواسم جني الطماطم والفراولة والحوامض.
بفضل هذه الأيادي المتعبة، تصل المنتجات المغربية إلى موائد المستهلكين في الخارج، وتدر العملة الصعبة على الاقتصاد الوطني.
يوم عمل طويل وأجور محدودة
لكن خلف هذا الدور الاقتصادي المهم، تختبئ قصة أخرى أقل بريقًا.
تبدأ رحلة العمل بالنسبة لكثير من النساء قبل طلوع الشمس، حيث يغادرن بيوتهن في ساعات الفجر الأولى.
وبعد ساعات طويلة من العمل في الحقول أو داخل وحدات التلفيف، يحصلن على أجور يومية تبقى في كثير من الأحيان محدودة، ولا تعكس حجم الجهد المبذول.
كما تشتكي العديد منهن من غياب شروط العمل اللائقة، سواء من حيث وسائل النقل أو الحماية الاجتماعية أو ظروف العمل داخل الضيعات.
وتزداد صعوبة الوضع بالنسبة للنساء اللواتي يعِلن أسرًا كاملة، إذ يجدن أنفسهن بين مسؤولية إعالة الأسرة وضغط العمل اليومي.
مخاطر الطريق والعمل
لا تقف معاناة نساء الضيعات عند حدود الأجور أو ساعات العمل الطويلة، بل تمتد أيضًا إلى مخاطر الطريق.

فحوادث السير التي تتعرض لها وسائل نقل العاملات الزراعيات أصبحت تتكرر بين الفينة والأخرى، بسبب استعمال شاحنات أو عربات غير مهيأة لنقل الأشخاص.
كما يطرح العمل في الحقول تحديات صحية مرتبطة بالتعرض للشمس والمواد الكيميائية المستعملة في الزراعة، في ظل غياب وسائل الوقاية في بعض الحالات.
بين الضرورة الاقتصادية وغياب البدائل
رغم هذه الصعوبات، تواصل آلاف النساء العمل في الضيعات الفلاحية، لأن هذا العمل يظل بالنسبة لكثير منهن المصدر الوحيد للدخل.
في القرى والمناطق القروية، حيث تقل فرص الشغل، يصبح العمل الزراعي خيارًا شبه إجباري لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم.
وتقول إحدى العاملات في ضيعة فلاحية بضواحي أكادير:
“نشتغل لأننا لا نملك خيارًا آخر… هذا العمل هو الذي يوفر لنا مصاريف البيت ودراسة الأطفال.”
نحو إنصاف العاملات الزراعيات
في السنوات الأخيرة، تعالت أصوات جمعيات مدنية ونقابات مهنية للمطالبة بتحسين أوضاع نساء الضيعات الفلاحية، عبر، تعزيز مراقبة شروط العمل داخل الضيعات وضمان وسائل نقل آمنة للعاملات، وتعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، وتحسين الأجور بما يتناسب مع طبيعة العمل.
فبينما يواصل القطاع الفلاحي لعب دور مهم في الاقتصاد المغربي، يظل الرهان الحقيقي هو تحقيق العدالة الاجتماعية داخل هذا القطاع، وإنصاف النساء اللواتي يساهمن بصمت في استمراره.
أيادٍ تُطعم البلاد
في نهاية يوم طويل، تعود نساء الضيعات إلى بيوتهن متعبات، لكنهن يحملن في أيديهن ثمرة عملهن الذي يساهم في إطعام البلاد وتحريك عجلة الاقتصاد.
إنهن نساء بسيطات، لكن أدوارهن أكبر بكثير مما يبدو…
فخلف كل صندوق خضر أو فواكه يصل إلى الأسواق، تقف قصة تعبٍ طويل، وامرأة حملت على كتفيها جزءًا من اقتصاد الوطن.





