
معركة الترند الرمضاني…دراما الأرقام
مع كل موسم رمضاني، تتحول الدراما العربية إلى سباق مفتوح على نسب المشاهدة، غير أن موسم رمضان 2026 كشف مرة أخرى أن المنافسة لم تعد تقتصر على جودة النصوص أو براعة الأداء، بل أصبحت معركة أرقام تُدار على منصات التواصل الاجتماعي، وفي خضم هذا الضجيج الرقمي الذي يقوده نجوم الدراما المصرية والخليجية، تبرز مفارقة لافتة: الدراما المغربية حاضرة بقوة على الشاشات المحلية، لكنها تبقى شبه غائبة عن نقاش “الأعلى مشاهدة” في الفضاء العربي الأوسع.
أرقام تتكلم… ونجوم يردون
بدأت شرارة الجدل هذا الموسم عندما نشر الفنان عمرو سعد، بطل مسلسل “إفراج”، تقارير قال إنها موثقة تؤكد تصدر عمله نسب المشاهدة، معتبراً أن نشر الأرقام يهدف إلى “منع تزوير الحقائق” ،غير أن الرد جاء سريعاً من الفنانة ياسمين عبد العزيز التي نشرت عبر إنستغرام قائمة من منصة “شاهد” تُظهر تصدر مسلسلها “وننسى اللي كان” ، إلى جانب أعمال مثل “هي كيميا” و“المداح 6: أسطورة النهاية” و“الست موناليزا”.
وفي ذات السياق، دخل المخرج محمد سامي بدوره على خط النقاش، مهنئاً ياسمين عبد العزيز، لكنه أكد أن مسلسل “الست موناليزا” تصدر المشاهدات خلال فترة عرضه قبل أن تنتهي حلقاته في النصف الأول من رمضان، وهكذا تحولت نسب المشاهدة إلى مادة سجال يومي، يعلن فيه كل طرف امتلاك “الحقيقة الرقمية” .
اقتصاد المشاهدة… صناعة بمليارات
خلف هذا الجدل تقف صناعة ضخمة. فالإنتاج الدرامي العربي خلال شهر رمضان يُعد أحد أكبر المواسم التلفزيونية في المنطقة، حيث تشير تقديرات إعلامية إلى أن حجم الإنفاق على الإنتاج الدرامي والإعلانات في الموسم يتجاوز ملياري دولار، كما أن انتشار المنصات الرقمية، التي يقدر عدد مستخدميها في العالم العربي بعشرات الملايين، جعل من “الأعلى مشاهدة” مؤشراً تسويقياً بالغ الأهمية، لكن هذه الأرقام لا تعكس دائماً حقيقة المتابعة، إذ تختلف آليات القياس بين منصة وأخرى، كما أن الخوارزميات قد ترفع أعمالاً معينة في القوائم الرقمية دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها الأكثر حضوراً في النقاش الثقافي.
المغرب… سباق هادئ بالأدوات نفسها
تبدو المنافسة في المغرب أقل صخباً، لكنها تسير بالمنطق نفسه.. فالموسم الرمضاني يظل ذروة الإنتاج التلفزيوني، حيث تستحوذ القنوات العمومية مثل الأولى و2M على نسب مشاهدة مرتفعة، إذ تشير تقارير مؤسسة “ماروك ميتري” إلى أن أكثر من 70% من المغاربة يتابعون البرامج التلفزيونية خلال وقت الإفطار، ومع توسع المنصات الرقمية، بدأ صناع الدراما المغربية أيضاً في الترويج لأعمالهم عبر مؤشرات المشاهدة على يوتيوب ومنصات البث، ما خلق نوعاً جديداً من المنافسة الرقمية، حتى إن بعض الأعمال أصبحت تقاس شعبيتها بعدد المشاهدات والتفاعل على الشبكات الاجتماعية أكثر مما تقاس بآراء النقاد.
الضجيج الإعلامي أم القيمة الفنية؟
يرى نقاد أن المعركة حول الأرقام تعكس تحولاً في صناعة النجومية نفسها، فالفنان لم يعد ينتظر تقييم النقاد أو ذاكرة الجمهور، بل يسعى إلى إثبات نجاحه عبر قوائم المشاهدة والهاشتاغات، غير أن هذه المعادلة قد تكون مضللة.. إذ يمكن للضجيج الإعلامي أن يرفع عملاً عادياً إلى صدارة النقاش، بينما تمر أعمال أكثر جودة بهدوء نسبي.. في المقابل، ما تزال بعض الأعمال تفرض حضورها بعيداً عن هذا الصخب، سواء في مصر أو المغرب، حيث يظل المعيار الحقيقي لنجاح أي مسلسل هو قدرته على البقاء في ذاكرة الجمهور بعد انتهاء الموسم.
السؤال الذي لا ينتهي
وسط هذا السجال السنوي، يبقى السؤال مطروحاً: هل تصنع الخوارزميات لقب “الأعلى مشاهدة”، أم أن الجمهور هو من يمنحه فعلاً؟ الإجابة ربما تكمن في مكان آخر؛ فالتاريخ الدرامي لا يتذكر القوائم اليومية بقدر ما يتذكر الأعمال التي نجحت في أن تعكس المجتمع وتترك أثراً فيه… سواء جاءت من القاهرة أو من الرباط.




