
وُلدت واحدة من أفخر ثمار الصحراء: تمر “المجهول” في عمق واحات وادي تافيلالت منذ قرون، هذه الثمرة التي ارتبطت بالمائدة المغربية وطقوس الضيافة في الأعياد والمناسبات تحولت مع الزمن إلى سلعة عالمية فاخرة، لكنها في مفارقة لافتة لم تعد تُدار من موطنها الأصلي.
فبينما يظل المغرب مهد هذا الصنف الشهير، تتصدر دول أخرى اليوم إنتاجه وتسويقه، في مشهد يلخص كيف يمكن لثروة زراعية محلية أن تتحول إلى مشروع عالمي تقوده قوى اقتصادية خارج حدودها.
فاكهة فاخرة بخصائص استثنائية
تصف منظمة الأغذية والزراعة تمر المجهول بأنه من أكبر أصناف التمور حجماً، إذ يتراوح وزن الحبة الواحدة بين 20 و40 غراماً، بقشرة كهرمانية تميل إلى البني الداكن عند النضج، ويتميز بلحم سميك شبه شفاف ونكهة حلوة غنية، مع نسبة ألياف منخفضة نسبياً، ما يمنحه قواماً طرياً مرغوباً في الأسواق العالمية..
هذه الخصائص حولته إلى ما يشبه “الكافيار الزراعي” في تجارة التمور، وهو ما يفسر أسعاره المرتفعة ومكانته في الأسواق الدولية.
لكن خلف هذه السمعة اللامعة تختبئ قصة انتقال معقدة للثروة الزراعية، بدأت في عشرينيات القرن الماضي عندما ضرب مرض “البيوض” الفطري واحات النخيل في المغرب، مهدداً آلاف الأشجار، وآنذاك، تحركت السلطات الاستعمارية الفرنسية لدراسة انتشار فطر “Fusarium oxysporum” الذي كان يدمر المزارع، لتبدأ بذلك مرحلة غير متوقعة في تاريخ المجهول.
“رحلة إحدى عشرة شتلة غيّرت الخريطة الزراعية”
زار عالم النبات الأمريكي والتر سوينغل واحات الجنوب الشرقي المغربي ضمن بعثة علمية لدراسة المرض، وبينما كانت السلطات تبحث عن حلول لإنقاذ النخيل، وجد الباحث الأمريكي في هذه التمور فرصة علمية واقتصادية نادرة.. فغادر سوينغل المغرب ومعه 11 شتلة من نخيل المجهول، في خطوة تبدو اليوم كأنها نقل هادئ لثروة زراعية كاملة.. حيث خضعت لحجر زراعي طويل في نيفادا بين عامي 1927 و1936، نجت تسع شتلات فقط، لكنها كانت كافية لإطلاق صناعة كاملة، حيث نُقلت لاحقاً إلى محطة أبحاث تابعة لوزارة الزراعة الأمريكية في كاليفورنيا، ليبدأ تكاثرها وتوزيعها على المزارعين.
وفي عام 1944 بدأت الولايات المتحدة توزيع الشتلات على مزارع كاليفورنيا وأريزونا، لتتحول خلال عقود قليلة إلى أحد أكبر منتجي هذا الصنف، واليوم تشير الدراسات إلى أن 99% من أشجار المجهول المزروعة في يوما بأريزونا ووادي كواتشيلا بكاليفورنيا تنحدر من تلك الشتلات الأولى.
انتشار عالمي وهيمنة جديدة
مع اتساع زراعة المجهول خارج المغرب، انتقلت الشتلات إلى المكسيك عام 1968، ثم إلى إسرائيل التي استوردت نحو 9000 شتلة بين 1978 و1981، لاحقاً انتشرت الزراعة في جنوب أفريقيا والأردن وفلسطين وأستراليا ودول أخرى، ما حول هذا الصنف إلى صناعة دولية مربحة.
وبحلول عام 2020، كشفت بيانات الباحثين عبد الوهاب زيد وعبد الله وهيبي أن إسرائيل أصبحت المنتج الأكبر عالمياً بإنتاج بلغ 45 ألف طن، أي نحو 41.5% من الإنتاج العالمي.. تلتها الولايات المتحدة بـ16 ألف طن، ثم المكسيك بـ15 ألف طن، بينما بلغ إنتاج فلسطين 12 ألف طن والأردن 10 آلاف طن.
أما المغرب، الذي انطلقت منه الحكاية، فلم يتجاوز إنتاجه 3500 طن، أي حوالي 3.2% فقط من السوق العالمية، وتبلغ الصادرات العالمية من تمر المجهول نحو 67 ألف طن بقيمة تقارب 469 مليون دولار، مع نمو سنوي يتراوح بين 5 و10%، يذهب ربعها تقريباً إلى الأسواق الأوروبية.
هل يستعيد المغرب موقعه؟
رغم هذا التأخر النسبي، يسعى المغرب اليوم إلى استعادة جزء من مكانته في سوق المجهول عبر برامج لتوسيع زراعة النخيل ومكافحة مرض البيوض، وتشير المعطيات إلى أن 67% من النخيل المزروع حديثًا في البلاد هو من صنف المجهول، مع توقعات بارتفاع الإنتاج الوطني إلى نحو 70 ألف طن بحلول عام 2028.
لكن المفارقة تظل قائمة: فالثمرة التي وُلدت في واحات تافيلالت تحولت خلال قرن واحد إلى صناعة دولية تقودها دول أخرى.. ق
صة المجهول، في النهاية، ليست مجرد حكاية فاكهة فاخرة، بل مثال حي على كيف يمكن للمعرفة الزراعية والهجرة النباتية أن تعيد رسم خريطة الاقتصاد الزراعي في العالم.





