
تتصاعد التوترات التجارية بين المغرب وتونس هذا الموسم في ما أُطلق عليه إعلاميًا “حرب التمور” ، إثر إجراءات صارمة اتخذها المغرب بحق واردات التمور، أدت إلى احتجاز كميات كبيرة عند ميناء الدار البيضاء وإثارة غضب المصدرين التونسيين.. تتجاوز القضية مجرد خضار وفاكهة، لتلامس تحولات في السياسات التجارية، وحماية المنتج الوطني، وخرائط الاستهلاك الرمضاني في منطقة المغرب العربي.
خلفية الأزمة: القيود والإجراءات الجديدة
أبلغت السلطات المغربية تونس رسمياً في أواخر ديسمبر 2025، بإعادة تفعيل تنظيم يتعلق بتقييد واردات التمور، ما أجبر على توقيف نحو 15,000 طن من التمور التونسية المتجهة إلى السوق المغربية في ميناء الدار البيضاء، وأُفرج عنها بشكل تدريجي ضمن شروط صارمة وفق تصريحات لمسؤولين تونسيين في قطاع التمور.
هذا و يشكل شهر رمضان ذروة استهلاك التمور في المغرب، فحسب معطيات مهنية صادرة عن وزارة الفلاحة إلى أن الطلب الوطني يتجاوز 120 ألف طن سنوياً.. حيث يعتمد المغرب، بشكلٍ كبير على واردات التمور لسد الفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب الاستهلاكي، و يُعد واحدًا من أكبر أسواق التمور التونسية – ففي موسم 2024/2025 استحوذ السوق المغربي على نحو “20% من إجمالي صادرات تونس من التمور”، متفوقًا على إيطاليا وفرنسا كمستورد رئيسي.
الموقف المغربي: حماية المنتج الوطني
يبرر المهنيون المغاربة الإجراءات بأنها ضرورية لحماية الواحات المغربية وثمار مزارعي النخيل المحليين من “المنافسة غير العادلة”، وفق تصريحات قيادات في الفيدرالية المغربية لتسويق التمور، دخول كميات ضخمة من التمور التونسية وبأسعار منخفضة يُضعف سوق التمور المحلي ويُهدد مداخيل آلاف الأسر في الجنوب المغربي.. ويستشهدون ببيانات مهنية تشير إلى أن أكثر من 60 ألف أسرة تعيش بشكل مباشر أو غير مباشر من سلسلة التمور، ما يجعل أي اختلال في السوق ذا أبعاد اجتماعية حساسة، كما يشددون على أن المراقبة الصحية الصارمة ضرورية لضمان سلامة المنتوج، خصوصاً في ظل المنافسة الشرسة وتعدد الوسطاء.
الموقف التونسي: الرفض والاعتراض
من جانبهم، رحب المصدرون التونسيون في البداية بتحسن إنتاجهم لهذا الموسم، لكن الإجراءات المغربية المفاجئة قوبلت باستياء واسع.. حيث وصف غازي رويصي، المدير العام لشركة Bayt Al-Tamr التونسية، القرار بأنه تسبب في تعطل الإمدادات المتفق عليها مُسبقًا وأساء التخطيط لتصدير محصول الموسم، و في ذات السياق اعتبرت جمعيات مهنية تونسية أن تعطيل الشحنات في ذروة الموسم يهدد بخسائر مالية جسيمة ويقوض الثقة في السوق المغربية كشريك تجاري مستقر.. و بذلك يطالب المصدرون التونسيون باستثناء صنف “دقلة النور” من القيود، باعتباره يخضع لمعايير تصدير صارمة ومعترف بها دولياً.
أرقام وتوقعات السوق
في المقابل تشير تقارير تجارة التمور إلى أن واردات المغرب من التمور انخفضت في آخر 12 شهرًا بنحو “37% من حيث الحجم، لتصل إلى حوالي 78,910 طن” بين أبريل 2024 ومارس 2025، ما يعكس تقلص نشاط الاستيراد وسط تغيُّر في السياسات التجارية، كما يطمح إلى تعزيز صادراته من أصناف مثل “المجهول” ، الذي يعرف طلباً متزايداً في أوروبا وأمريكا الشمالية، ما يعزز حساسية ملف التمور ضمن معادلة التوازن التجاري الفلاحي.. خصوصا وان صنف دقلة النور يمثل أكثر من 85% من صادرات التمور التونسية، فإن استثناءه من القيود يجعله موضوعًا ذا حساسية عالية في النقاشين التجاري والدبلوماسي.
بين حماية الإنتاج واستدامة العلاقات التجارية
في نهاية المطاف، يبدو أن “حرب التمور” تعكس أكثر من مجرد نزاع حول سلعة غذائية: إنها محصلة تقاطُع مصالح اقتصادية وسياسات حماية وطنية، في ظل صعوبات الإنتاج المحلي وتطلعات المصدرين التونسيين إلى أسواق تقليدية، مع اقتراب شهر رمضان، يبقى السؤال: هل سينجح “المنتوج المغربي” في تأمين حصته في المائدة الرمضانية، أم ستفرض ديناميكيات السوق الإقليمية حلولًا وسط؟ التاريخ الاقتصادي للمنطقة وحده كفيل بالإجابة.




