الرئسيةحول العالمميديا وإعلام

إسرائيل تختبر معادلة لبنان الجديدة

نُشرت هذه المقالة في الإعلام العبري، وبالأساس في صحيفة “هآرتس الإسرائيليةّ، قبل أن تقوم صحيفة الأيام الفلسطينية” بترجمتها إلى العربية.

ويقدم النص قراءة تحليلية إسرائيلية لمسار الحرب الدائرة في لبنان وتداعياتها السياسية والعسكرية، في سياق إقليمي أوسع يتداخل فيه الصراع بين حزب الله والجيش الإسرائيلي مع المواجهة المفتوحة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

لانحتاج لتكرار أن الجريدة بنشرها هذا الرأي لا يعني تبنيه، وإنما هو فقط وضع القارئ في جانب مما تفكر فيه، وما يثار داحل دولة الاحتلال العسكري، من نقاشات في وضع إقليمي ودولي جد دقيق وبأحد المعاني ينبئ بتحولات قوية حدثت وستحدث…

ويشير التقرير إلى أن معالم الحرب في لبنان لا تزال غير واضحة حتى الآن: فهل تسعى إسرائيل إلى القضاء الكامل على حزب الله، أم أنها تهدف فقط إلى فرض واقع أمني جديد في جنوب لبنان عبر إنشاء منطقة عازلة تبقى فيها قواتها «طالما دعت الحاجة»؟ وفي المقابل، يطرح السؤال نفسه حول دوافع حزب الله: هل دخوله الحرب نابع من التزامه الاستراتيجي تجاه إيران باعتباره أحد أهم أذرعها الإقليمية، أم أنه يخوض معركة مرتبطة ببقائه السياسي والعسكري داخل الدولة اللبنانية؟

إطار سياسي جديد داخل لبنان

يرى التقرير أن الحرب الحالية تجري في ظل واقع سياسي لبناني مختلف عن السنوات السابقة. فقد وصل الخلاف بين حزب الله والحكومة اللبنانية إلى مستوى غير مسبوق، بعدما أصدرت الحكومة برئاسة نواف سلام قرارًا اعتبرت فيه أن النشاطات العسكرية للحزب خارج إطار الدولة هي نشاطات غير قانونية.

كما أصدرت الحكومة تعليمات مباشرة إلى الجيش اللبناني لمنع أي عمليات إطلاق نار من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل واعتقال أي جهة تحاول تنفيذها. ويُعد هذا القرار تحولًا تاريخيًا في السياسة اللبنانية، إذ أنهى عمليًا عقودًا من منح الشرعية الرسمية لما كان يُعرف بـ«المقاومة» كجزء من منظومة الدفاع الوطني.

ويشير التحليل إلى أن هذا القرار حظي بدعم شعبي واسع نسبيًا، حتى داخل بعض الأوساط الشيعية، حيث ظهرت أصوات تنتقد الحزب وتطالب بعدم جرّ لبنان إلى حرب جديدة قد تكون كلفتها البشرية والاقتصادية كارثية، خصوصًا بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمجتمع اللبناني خلال المواجهات المرتبطة بحرب غزة.

حزب الله بين الضغوط الداخلية والخسائر العسكرية

بحسب التحليل، وجد حزب الله نفسه خلال العام الماضي في وضع معقد. فقد خسر عددًا من قياداته الميدانية، كما تراجع جزء من الدعم اللوجستي الذي كان يحصل عليه عبر سوريا. وفي الوقت نفسه، استمرت إسرائيل في استهداف مواقع للحزب داخل لبنان رغم وقف إطلاق النار، ورفضت الانسحاب من عدة مواقع سيطرت عليها في الجنوب.

في هذا السياق، تبنّى الحزب لفترة سياسة «الاحتواء»، مكتفيًا بإدانة العمليات الإسرائيلية وتحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية الدفاع عن البلاد. إلا أن هذا الموقف وضعه في مأزق سياسي غير مألوف؛ إذ بدا وكأنه يتخلى مؤقتًا عن الدور العسكري الذي استخدمه تاريخيًا لتبرير احتفاظه بسلاحه.

ويرى التقرير أن هذا التحول كان منسجمًا أيضًا مع التوجه الإيراني خلال مرحلة المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة، حيث صدرت توجيهات للفصائل الحليفة لطهران في لبنان والعراق بخفض مستوى التصعيد العسكري.

لكن اندلاع الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى غيّر المعادلة بالكامل، وأضعف فرص المفاوضات، ما دفع طهران وشبكة حلفائها إلى مواجهة خطر صراع إقليمي واسع.

وضع مختلف عن بقية حلفاء إيران

يؤكد التقرير أن وضع حزب الله داخل لبنان يختلف جذريًا عن وضع حلفاء إيران في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.

فالميليشيات الموالية لطهران في العراق تتمتع بغطاء رسمي ضمن هيئة الحشد الشعبي التي تحصل على تمويل من الدولة، بينما يسيطر الحوثيون في اليمن على مناطق واسعة يعيش فيها جزء كبير من السكان.

أما في لبنان، فإن الحكومة الحالية ومعظم القوى السياسية تعارض النشاط العسكري لحزب الله خارج إطار الدولة، ما يمنحها شرعية سياسية للمطالبة بنزع سلاحه، ويهدد في الوقت نفسه موقعه داخل النظام السياسي اللبناني.

«حزام النار» الإيراني يتصدع

ينظر التقرير إلى حزب الله باعتباره الحلقة الأهم في ما تسميه إيران «حزام النار» حول إسرائيل، وهو شبكة من القوى الحليفة التي يفترض أن تمتص الضربات نيابة عنها وتدير المواجهات الإقليمية.

لكن الحرب الأخيرة أضعفت هذا المفهوم؛ إذ إن حجم الهجوم على إيران قلل من قدرة هذه الفصائل على التأثير في مسار الصراع. ففي العراق، شاركت ميليشيتان فقط من أصل اثنتي عشرة في العمليات العسكرية، بينما بقي الحوثيون في موقع المراقب رغم قدرتهم على استهداف الملاحة البحرية أو منشآت الطاقة في الخليج.

في المقابل، يرى التقرير أن حزب الله اختار الدخول في المواجهة رغم الضغوط السياسية الداخلية، وهو ما وصفته بعض الأوساط اللبنانية بأنه «حرب انتحارية» أو «معركة وجود».

لبنان يدفع الثمن الأكبر

كما في كل الحروب السابقة، يتحمل المجتمع اللبناني العبء الأكبر من التصعيد. فوفق التقديرات، نزح نحو مليون شخص من منازلهم، واضطر كثير منهم إلى اللجوء إلى مبانٍ عامة أو ملاجئ مؤقتة تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

كما تأثرت سلاسل الإمداد الغذائية، وارتفعت الأسعار بشكل كبير، بينما يواجه الموسم الزراعي في قرى الجنوب خطر الضياع. وفي الوقت الذي كان حزب الله يتكفل في السابق بتعويض المتضررين، تبدو قدرته المالية اليوم محدودة في ظل الضغوط الاقتصادية على إيران.

هذا الوضع يضع الحكومة اللبنانية أمام مسؤولية إدارة الأزمة رغم ضعف مواردها وقدراتها المحدودة، خاصة مع استمرار الغارات الإسرائيلية واحتمال شن عملية برية في الجنوب.

حسابات الحرب ومصير الجنوب

يعتبر التقرير أن حزب الله قد يرى في الغزو البري الإسرائيلي فرصة استراتيجية؛ إذ إن القتال في مناطق يعرفها جيدًا قد يسمح له بتحقيق مكاسب تكتيكية حتى بقوات محدودة.

سياسيًا، قد يساعده ذلك على استعادة صورة «المقاومة» باعتباره القوة الوحيدة القادرة على مواجهة إسرائيل، كما يتيح له عرقلة محاولات الحكومة لنزع سلاحه أو التقدم نحو مفاوضات سياسية مع إسرائيل.

ومع ذلك، يشير التحليل إلى أن إسرائيل قد تنجح في إبعاد قوات الحزب عن جنوب نهر نهر الليطاني، لكنها لن تتمكن بسهولة من القضاء على وجوده العسكري في مناطق أخرى مثل البقاع وبيروت وشمال الليطاني.

معادلة معقدة

يخلص التقرير إلى أن إسرائيل تعلم من تجربتها الطويلة في لبنان أن الحد من نشاط حزب الله يتطلب تعاونًا وثيقًا مع الدولة اللبنانية. واليوم، توجد حكومة تبدو مستعدة بالفعل لتقييد نفوذ الحزب.

لكن في الوقت نفسه، يحذر التقرير من أن التهديدات الإسرائيلية بتحويل بيروت إلى ما يشبه خان يونس أو لبنان إلى نسخة من قطاع غزة قد لا تحقق الهدف المنشود. فحتى بعد الدمار الواسع في غزة، ما زالت حماس قادرة على العمل عسكريًا، ما يشير إلى أن القضاء الكامل على التنظيمات المسلحة في المنطقة قد يكون هدفًا أكثر تعقيدًا مما تتصوره الحسابات العسكرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى