
لم يعد الغلاء في المغرب خبراً، بل أصبح خلفية ثابتة لحياة يومية مثقلة بالأعباء، فوفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل التضخم حوالي 6.1% خلال سنة 2023 قبل أن يتباطأ نسبياً إلى قرابة 3.4% في 2024، لكن أثره ظل راسخاً في جيوب المواطنين، خصوصاً مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية بأكثر من 4% في بعض الفترات..
وفي هذا السياق المشحون، تأتي زيادة أقساط التأمين على السيارات والشاحنات بنسبة 5% ابتداءً من أبريل، وكأنها تذكير إضافي بأن “التكيف” لم يعد خياراً بل قدراً مفروضاً، فالمواطن الذي لم يستوعب بعد قفزات أسعار المحروقات، حيث تجاوز سعر الغازوال 13 درهماً للتر في ذروته، يجد نفسه اليوم مطالباً بدفع المزيد مقابل خدمة إلزامية.
دوافع الزيادة تكشف عن اختلالات عميقة
تُبرر شركات التأمين هذه الزيادة بارتفاع كلفة التعويضات، خاصة وأن حوادث السير في المغرب تتجاوز 100 ألف حادثة سنوياً، مخلفة آلاف القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى، بحسب الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، غير أن هذه الحجة تبدو انتقائية حين توضع جنباً إلى جنب مع أرقام القطاع نفسه، حيث تجاوز رقم معاملات التأمينات 64 مليار درهم سنة 2023، مع نمو سنوي يقارب 7%، وفق هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي. بل إن فرع التأمين على السيارات يظل من أكثر الفروع ربحية واستقراراً، ليتحول هنا خطاب “ارتفاع الكلفة” إلى شماعة جاهزة، بينما تُترك أسئلة جوهرية معلقة: أين تذهب هوامش الربح؟ ولماذا لا تنعكس هذه الأرقام على تحسين الخدمات أو تخفيف الأعباء؟
تعمّق الفجوة بين المواطن ومؤسسات الحماية
في بلد تبلغ فيه نسبة البطالة حوالي 13%، وترتفع إلى أكثر من 35% في صفوف الشباب، وفق الإحصاءات الرسمية، تبدو أي زيادة، ولو كانت “بسيطة”، بمثابة ضغط إضافي على فئات بالكاد تحافظ على توازنها المالي، فالتأمين، الذي يُفترض أن يكون شبكة أمان، تحول إلى اقتطاع إجباري يُدفع على مضض، والأسوأ أن متوسط أقساط التأمين قد يتراوح بين 2500 و4000 درهم سنوياً، ما يعني أن الزيادة الجديدة ستضيف عبئاً قد يبدو بسيطاً على الورق، لكنه ثقيل في واقع دخل لا يتجاوز في كثير من الحالات الحد الأدنى للأجور الذي يقارب 3111 درهماً في القطاع الخاص.
زيادة تعيد طرح سؤال العدالة الاقتصادية
المفارقة الساخرة أن الأجور في المغرب ترتفع بنسب خجولة لا تتجاوز 5% في أفضل الأحوال، بينما ترتفع تكاليف الحياة بوتيرة أسرع وأكثر جرأة.. وكأن الاقتصاد يشتغل بمنطق بسيط: حين يتعلق الأمر بالمواطن، فالصبر فضيلة؛ وحين يتعلق الأمر بالقطاعات المهيكلة، فالزيادة ضرورة، وهنا يُطرح دور الجهات التنظيمية، ليس فقط كمراقب تقني، بل كحكم يفترض أن يوازن بين منطق الربح وحق المواطن في الحماية، لكن الواقع يوحي بأن الكفة تميل دائماً نحو الطرف الأقوى.
بين منطق السوق وغياب الحماية
ما يحدث اليوم في قطاع التأمين ليس سوى انعكاس لاختلال أعمق في بنية الاقتصاد، حيث تتحول الخدمات الأساسية إلى مصادر ربح مضمونة، بفضل طابعها الإلزامي، فالإصلاح هنا لا يمر فقط عبر ضبط الأسعار، بل عبر إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسات: شفافية حقيقية في التسعير، ومنافسة فعلية تكسر الاحتكار المقنع، وآليات حماية تجعل من “التأمين” اسماً على مسمى.. إلى ذلك الحين، سيظل المواطن المغربي يدفع ثمن “الحماية”… دون أن يشعر فعلاً أنه محمي.





