
في خطوة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها رهانات اقتصادية وسياسية عميقة، أعلن كل من بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل عن إطلاق الموقع الرسمي لهيئة تنسيق السوق الآجلة، المعروفة اختصارًا بـ ICMAT.. هذا التدشين لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع تحاول فيه المؤسسات المالية المغربية ترميم فجوة الثقة بين السوق والمستثمرين، في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى أدوات مالية أكثر تعقيدًا لمواكبة اقتصاد عالمي سريع التحول.
منصة رقمية أم واجهة لطمأنة الأسواق؟
يُقدَّم الموقع الإلكتروني الجديد كمنصة مرجعية توفر معلومات دقيقة وسهلة الولوج، موجهة للمتعاملين في السوق الآجلة والمستثمرين والمهتمين، لكن خلف هذا الطابع التواصلي، تكمن محاولة لإعادة هندسة العلاقة بين الفاعلين الماليين والمؤسسات المنظمة، فحسب معطيات رسمية، لا تزال نسبة مشاركة المستثمرين الأفراد في السوق المالية المغربية محدودة، إذ لا تتجاوز بضعة نقاط مئوية من إجمالي المعاملات، ما يعكس ضعف الثقافة المالية وغياب الثقة في أدوات يُنظر إليها غالبًا كرهانات محفوفة بالمخاطر أكثر منها استثمارات مدروسة.
عقود مستقبلية… ومخاطر مؤجلة
تزامن إطلاق الموقع مع أول تداول لعقد آجل ثابت على مؤشر MASI 20، تحت اسم “20 Future MASI”، وهو حدث يوصف تقنيًا بالمفصلي.. فهذه العقود، التي تُستخدم عالميًا للتحوط وإدارة المخاطر، قد تتحول في بيئة غير ناضجة ماليًا إلى أدوات مضاربة حادة، والمفارقة أن السوق التي لم تستوعب بعد بشكل كامل آليات الاستثمار التقليدي، تجد نفسها اليوم أمام أدوات مشتقة تتطلب خبرة عالية ونضجًا مؤسساتيًا.
الإطار القانوني: نصوص متقدمة وسوق متأخرة
و في هذا السياق، فإن هيئة ICMAT، التي أُنشئت بموجب القانون رقم 42-12، تضطلع بدور تنسيقي بين المؤسسات، مع ضمان مراقبة مشتركة للسوق الآجلة وفق المعايير الدولية، غير أن الإشكال في المغرب لا يكمن دائمًا في غياب القوانين، بل في فجوة التطبيق.. حيث أظهرت التجارب السابقة أن النصوص المتقدمة قد تصطدم بواقع اقتصادي غير مهيأ، تظل فيه الحكامة المالية رهينة التوازنات السياسية والبيروقراطية.
سوق تتوسع أرقامه وتحتاج إلى أدوات تليق بحجمها
تظهر الأهمية الاقتصادية لهذه الخطوة بوضوح حين نقرأ الأرقام الرسمية للمشهد المالي المغربي.. فبحسب الهيئة المغربية لسوق الرساميل، بلغ حجم المبادلات الإجمالي في سوق الرساميل 99 مليار درهم خلال 2024، بارتفاع 52.3 %، بينما سجّل السوق المركزي ببورصة الدار البيضاء حجم تداول بلغ 61 مليار درهم في السنة نفسها.
كما ارتفعت الرسملة البورصية إلى 959.44 مليار درهم عند متم يونيو 2025، مسجلة نموًا بنسبة 27.51%، في مؤشر على سوق تتسع سريعًا لكنها لا تزال بحاجة إلى أدوات أكثر تطورًا من أجل امتصاص التقلبات بدل الاكتفاء برصدها بعد وقوعها..
وفي 2024 أيضًا، حقق المؤشر المرجعي للبورصة ارتفاعًا سنويًا بنسبة 22.2%، وهو رقم جميل على الورق، لكنه يظل ناقص المعنى ما لم يواكبه سوق آجلة قادرة على تحويل هذا الزخم إلى إدارة ذكية للمخاطر بدل تركه عرضة للمزاج اليومي للمضاربين.
بين الطموح والواقع: أي مستقبل للسوق الآجلة؟
و فيما تشير بيانات السوق إلى أن حجم الرسملة في بورصة الدار البيضاء يناهز مئات المليارات من الدراهم، فإن السيولة تبقى محدودة مقارنة بأسواق ناشئة مماثلة، كما تبدو السوق الآجلة كرهان على المستقبل أكثر منها انعكاسًا لحاضر اقتصادي متين.. وبينما تسعى المؤسسات إلى تقديم صورة حداثية للأسواق المالية، يبقى التحدي الحقيقي هو خلق بيئة ثقة، حيث لا تُستخدم الأدوات المعقدة كزينة تنظيمية، بل كرافعة فعلية للنمو.
في النهاية، قد يكون إطلاق موقع ICMAT خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يطرح سؤالًا أعمق: هل المغرب بصدد بناء سوق مالية متقدمة، أم مجرد محاكاة متأخرة لنماذج عالمية دون تهيئة الشروط البنيوية لنجاحها؟




